لماذا لم تستعمل العرب الفعل (تماهى) قبل اليوم؟
إن من يبحث في معجمات العربية أو شعر العرب بل كل تراث العرب لن يجد أثرا للفعل (تماهى) أو (التماهي) قبل القرن العشرين. وليس ذلك لقصور العقل العربي في فترة ازدهاره عن اشتقاق هذا الاستعمال أو لانتفاء الحاجة لدى الفلاسفة المسلمين الأوائل للتفكر بهذا، حتى جاء فكر أوربي مضطرب ليبحث في موضوع (النفس) فيتحدث عن (Identification)، والذي دفع الدارس العربي في القرن العشرين، المتغرب فكريا والذي يقتات على الفكر الأوربي بسليمه وسقيمه، أن يبحث عن ترجمة للكلمة اللاتينية الأصل فاشتق الفعل (تماهى) لأجل ذلك. أقول ليس هذا سبب عدم اشتقاق المسلمين الأوائل للفعل (تماهى) ذلك لأن السبب عقائدي وفلسفي كما سآتي عليه.
ولا بد هنا من ملاحظة مهمة لا تتعلق بترجمة هذه الكلمة فقط وإنما تتعلق بالترجمة الى العربية في القرن العشرين في شتى فروع المعرفة من طب وعلم وهندسة وأدب وفلسفة. ذلك أن أغلب الذين ترجموا في أي من فروع المعرفة تعلموا في الغرب بلغة أوربية في وقت لم تكن معرفتهم بالعربية تمكنهم من المقدرة على البحث والتحقق من سلامة الاستعمال خصوصا وهم أبناء الأمة التي كانت محتلة من الأوربي أو العثماني ممن لم يكن لهم اهتمام بتعلم العربية أو حمايتها. لذا فإن هؤلاء المترجمين الذين ترجموا بحسن نية فعلوا ما اعتقدوه عملا سليما وإن تبين خطل ما فيه لاحقاً.
ولو عقدنا موازنة بين عمل الترجمة في القرن العشرين وبين ما فعله المترجمون في (دار الحكمة) أيام الخليفة المأمون العباسي وما كان يمتلكه أولاء السابقون ومن حولهم من علماء اللغة من فصاحة اللسان وعمل مترجمي القرن العشرين ومن حولهم من أهل العربية المحدودين في لغتهم، أدركنا الفرق وحجم الكارثة!
وحاول عدد من رجال العربية المعاصرين إيجاد تفسيرات لعدد من الترجمات أو إصلاح عدد منها، لكن تلك المحاولات لم توفق لأن الدارسين لأي فرع من فروع المعرفة درجوا على سنة سابقيهم في الترجمة لأنهم لم يكونوا معنيين باللغة العربية أو يفهمون الخلل إذا وقع. فمن ذلك محاولة من شرح كيف وصل المترجمون لاشتقاق الفعل (تماهى) كما يلي:
“إن الاشتقاق لم يقع من الفعل (ماهى) لعدم وجود فعل “ماهى” أصلاً في لسان العرب. بل اشتقوه مباشرة من الجذر الثلاثي المجازي (م و هـ) والذي يعني الخلط والامتزاج مثل: أماه الشيء بالشيء أي خلطه. فجاء الفعل على وزن (تَفَاعَلَ) مباشرة فصار في الأصل (تَمَاوَه. ثم حدث فيه “قلب مكاني” بتقديم الهاء على الواو فصار(تَمَاهَو)، ثم قُلبت الواو ألفاً لتحركها بعد فتح فصار (تَمَاهَى).”
وإني على يقين أن أيا من المترجمين الذين استعملوا الفعل (تماهى) لأول مرة لم يعرفوا هذا الاشتقاق كي يصلوا لهذه النتيجة. بل إنهم انتبهوا لاستعمال فلاسفة المسلمين السابقين لكمة (الماهية) فاشتقوا الفعل (تماهى) يريدون به اتحاد ماهية شيء بآخر، ولو أنهم عرفوا العربية حقا لأدركوا أن العرب لا تشتق من اسم الجنس المستحدث مثل (الماهية)!
فما هي (الماهية) عند العرب وكيف ولدت؟
حين تفكر المسلمون الأوائل في الخلق كان من الأسئلة التي ولدت عن خلق السموات والأرض (ما هو) الله و (ما هي) الذات الإلهية وكثير مثله. فقالت الصوفية (سبحان من لا يعلم ما هو إلا هو) فجاؤوا (بما هو) ولم يقولوا (من هو) لشمول (ما) العاقل وغير العاقل كما قال عز من قائل “بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون”. ثم تكرر الاستعمال فاستعاضوا، كما فعلوا في عبارة (لم يزل)، فقالوا (الماهية) للتعبير عن جوهر الشيء. فأصبحت كلمة (الماهية) تعبيرا جميلا عن عبقرية العربية في مقدرتها على الاشتقاق والإبداع مما يرد على الطعن بجمودها.
لكن السؤال الذي لا بد أن يبرز في ذهن المتابع هو: لماذا لم يتبع اشتقاق (الماهية) استعمال المسلمين الأوائل للفعل (ماهى تماهى)؟
وسبب ذلك يمكن أن يكون موضوعا دينيا فلسفيا ليس هذا مكان تفصيله أو الخوض فيه. لكني سأوجز السبب الذي منع المسلمين من استعمال الفعل (ماهى تماهى). لكنه يجب التذكير كذلك بأن القول بتماهي شيء مع آخر لم يكن معروفا قبل الإسلام وهو موضوع لم يعلله أحد حيث إنه إذا كان الإسلام هو الذي منع الناس من قبول فكرة التماهي فما الذي منع العرب قبل الإسلام من قبول ذلك حتى انهم لم يعرفوا الفعل (ماهى) في لغتهم؟ فهل كان العرب قبل الإسلام يرفضون فكرة ذوبان ماهية شيء في آخر حتى قبل تلاوة القرآن عليهم؟
أما في الإسلام فإن فكرة التماهي في تطابق جوهر مع آخر أو ذوبان فيه فقد رفضت لأسباب أهمها تجنب الوصول الى القول بإمكانية اتحاد الخالق والمخلوق في نظرية وحدة الوجود والتي تنفي ذاتية الماهية حيث نص القرآن على أنه “ليس كمثله شيء”. لذا تحاشى العرب اشتقاق فعل يعني إمكانية تطابق جوهرين وظل التعبير عن التقارب يُصاغ بأفعال مثل: تشبّه، وتمثّل، وتأثّر، وهي أفعال تحافظ على استقلالية كل ذات دون تداخل أو ذوبان للماهية. وأذهب أبعد من ذلك بالقول إن العقل العربي رفض قبول إمكانية تطابق الجواهر حتى دون أن يوحي الإسلام بذلك ليس فقط منعا لتشبيه الخلق بالخالق وإنما لقناعة فُطرَ عليها العربي بذاتية كل شيء وان كان ذلك الشيء ليس واجب الوجود بذاته.
وهذا قد يفسر سبب عدم وجود الفعل (ماهى تماهي) في لسان العرب حتى قبل الإسلام!
فهل إن استعمال (تماهى) اليوم فصيح أو صحيح؟
أقول إن محاولة تعليل اشتقاق (تماهى) من الجذر (م و هـ) كما في أعلاه تكلف لا مسوغ له وليس عندي بذي قيمة. إما إذا قيل بانه تم استحداث فعل جديد في (ماهى) فيكون اشتقاق (تماهى) منه اشتقاقا سليما لغة.
أما في المعنى الذي يأتي عن استعمال (ماهى تماهى) فهذا يعني القبول بدخول ماهية شيء في آخر وهو عندي غير مقبول. ولا أقول هذا بسبب إيماني بالقرآن حسب وإن كان ذلك عندي له مكانة كبيرة وأقدر أن أكتب فيه لكن هناك سببا عقليا آخر. ذلك لأن فلاسفة المسلمين الذين كتبوا في (النفس) لم يكتبوا جميعا من خلال نظرية دينية خالصة بل من خلال فكر فلسفي مستقل عن الإسلام في بعض الحال لكنهم مع ذلك لم يقولوا بإمكانية ذوبان ماهية في أخرى. وهذا ما يدعوني لعدم استعمال الفعل (تماهى).
أما من أراد أن يتماهي فله ذلك!
وأما بنعمة ربك فحدث.
عبد الحق العاني
12 أب 2026