لماذا الخَلقُ، وكيف؟ – 21 

هل في القرآن رجعة؟ – 1

اتفق أكثر فقهاء المسلمين من السنة و (الجعفرية) من الشيعة مع النظرة اليهودية القائلة بأن حياة الإنسان على الأرض تتكون من ولادة وموت وانتظار في البرزخ ثم حشر. فتكون هذه مسيرة كل نفس.  لكن هذه النظرة، والتي قبلت لبساطتها كذلك، لم تمر دون تحد لأنها لم تتمكن من تفسير ما يقع للإنسان من أحداث لا تتفق مع العدل الإلهي. فقال معارضوها بأن النفس يمكن أن تعود للأرض مرة أخرى في خلق جديد وسمي هذا القول بـ (التقمص) أو (التناسخ) أو (الرجعة)، وسوف أشير لها هنا بالرجعة.

ولا بد من وقفة قصيرة هنا لتعريف ما تعنيه عدد من المفردات حتى يكون ما يأتي بعد ذلك أسهل للاستيعاب.

فالرجعة كما كتب الجوهري في الصحاح والفيروز أبادي في قاموسه هي: “فلانٌ يؤمن بالرَجْعَةِ، أي بالرجوع إلى الدُنيا بعد الموت”.

أما البرزخ الذي يرد ذكره في القرآن في عدد من الآيات والذي يستند إليه الرافضون للقول بالرجعة في ردهم على القائلين بها فقد عرّفه ابن منظور في لسان العرب جامعا قول رجال العربية وما أضافه الفقهاء كما يلي:

“برزخ: البَرْزَخُ: مَا بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ، وَفِي الصِّحَاحِ: الْحَاجِزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ. والبَرْزَخُ: مَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَبْلَ الْحَشْرِ مِنْ وَقْتِ الْمَوْتِ إِلى الْبَعْثِ، فَمَنْ مَاتَ فَقَدْ دَخَلَ البَرْزَخَ. وَفِي حَدِيثِ الْمَبْعَثِ عَنْ أَبي سَعِيدٍ: فِي بَرْزَخِ مَا بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ قَالَ: البَرْزَخُ مَا بَيْنَ كُلِّ شَيْئَيْنِ مِنْ حَاجِزٍ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ؛ قَالَ: البَرْزَخُ مِنْ يَوْمِ يَمُوتُ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُ.”

وهكذا فإن البرزخ لغة هو الحاجز بين شيئين، فقال عدد من الفقهاء إن إشارته تعالى للبرزخ في القرآن تعني الفترة بين الممات والبعث. وحيث إنه تعالى لم يشرح لنا ما يحدث بين الموت والبعث فإن الإشارة الى البرزخ لا تجزم أنه لا يحدث بين الموت والبعث سوى الانتظار. أي أن حديث القرآن عن البرزخ لا ينفي إمكانية الرجعة، ذلك أنه ليس هناك في القرآن ما يثبت امتناع حدوث رجعة بين الموتة الأولى والبعث. أي أن القول بالرجعة لا ينفي الموت والبعث.

ولا بد من الإشارة الى أهمية التمييز بين عبارة الشيعة و (الإثني عشرية) ذلك لأن الأخيرة تعني المذهب السائد اليوم والذي يمثل أغلبية الشيعة في إيران والعراق ولبنان والقارة الهندية بشكل عام، فهم من الشيعة لكنهم ليسوا وحدهم شيعة عليّ كما انهم ليسوا وحدهم (الاثنا عشرية) أي الذين يؤمنون باثني عشر إماما من علي الى محمد المهدي، إذ هناك فِرقٌ أخرى من (الاثني عشرية) ممن لا يتبعون المذهب السائد والذين أميزهم بوصفهم بالجعفرية. ونسبة الجعفرية هذه جاءت من الانتساب للإمام جعفر بن محمد الصادق، وهي ليست دقيقة في حصر الانتساب ذلك أن هناك فِرقا أخرى تدعي الانتساب للإمام جعفر بن محمد الصادق ممن ليسوا من أتباع الشيخ المفيد الذي يأخذ عنه جعفرية اليوم.

فظهرت عبر التاريخ الإسلامي بعض الفرق والطوائف التي تبنت أفكارًا قريبة من التناسخ أو جعلته جزءًا من عقيدتها. وكانت أغلب هذه الفرق باطنية في فقهها. ومن أبرز تلك الفرق ما يلي:

  1. فرق الغلاة من الشيعة ومنهم الفرقة الخطابية من أتباع أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الكاهلي كما ذكره النوبختي في كتابه (فرق الشيعة). لكن أغلب هذه الفرق لم يعد لها أثر.
  2. بعض فرق الإسماعلية القديمة الذين قالوا بالتناسخ ضمن الفكر الباطني الذي ساد قديما لكنه لم يعد له وجود بين إسماعيلية اليوم.
  3. الدروز الذين يقوم اعتقادهم على ما أسموه بالتقمص في انتقال النفس من جسد لآخر عند الوفاة، وما زال هذا الاعتقاد أساس إيمانهم اليوم.
  4. العلويون النصيرية من أتباع محمد بن نصير النميري والذين برغم عدم تصريحهم علنا فإن قناعة دارسيهم هي أن التناسخ عندهم هو أحد أركان فقههم الباطني.

وقد ضعفت اليوم الفرق التي تؤمن بالرجعة فهم يشكلون مجموعات صغيرة من فرق الشيعة والذين هم، أي الشيعة، أقلية بين المسلمين. ولعل من الممكن القول بأن من يؤمن بالرجعة بين مسلمي اليوم هم الدروز والعلويون فقط.

إلا أن هناك أكثر من سبب يدعو للكتابة في هذا الباب. وأول سبب هو وجود آيات قرآنية تبدو وكأنها تدعم القول بجواز رجعة النفس. كما أن انتشار هذه القناعة بين أديان عديدة خارج أديان منطقتنا بشكل خاص، كما هو الحال في البوذية والهندوسية، يدعو للتساؤل عما إذا كانت هناك حقيقة خلف ذلك أغفلها فقهاء المسلمين. هذا إضافة الى حقيقة أن القائلين بالرجعة بين المسلمين لعبوا دورا يتجاوز حجمهم في المجال الديني والسياسي والاجتماعي في مراحل التاريخ بما فيها وقتنا الحاضر.

واستشهد كل من القائلين بالرجعة والرافضين لها بآيات من القرآن مما يدعون أنها تسند نظرتهم في الجدل. ولم يتمكن أي من الطرفين حسم الأمر بشكل يمكن أن يُسكت به الطرف الآخر، وذلك في إمكانية تأول تلك الآيات ولأن صحة تأويل آية منها لا يجزم ببطلان تأويل آية أخرى.

ويستند القائلون بالرجعة في ردهم على الرافضين لها الى قاعدة صلبة في الاحتجاج بالعدل الإلهي. فحيث إن أحدا من ألمؤمنين باي من الكتب السماوية في منطقتنا، أي أهل الكتاب، لا يختلف على أن الكون قائم على العدل وذلك أحد أسمائه تعالى. فيسأل القائل بالرجعة رافضها أن يشرح له كيف يمكن أن يقوم العدل الإلهي في طفل يولد مشوها أو بعاهة دائمة، دون أن يكون ذلك بسبب أن النفس التي حلت في هذا الطفل تحاسب عن إثم كبير وقع منها في الجسد الذي كانت فيه قبل هذا الجسد الجديد. فبخلاف ذلك ينعدم العدل الإلهي حيث لا يمكن أن يقع عقاب دون جريمة ولا جريمة دون عمل. فالله لا يحاسب على النية. كما انه تعالى والذي وسعت رحمته كل شيء كتب على نفسه ألا يعذب من شكر وآمن في قوله: “مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا” فكيف يعذب وليدا لم يعط حتى فرصة الإيمان والشكر؟

وقد يجد أصحابي أن الإشارة الى الإبادة في غزة قد تثير حفيظة الناس، لكن السؤال الذي لا مفر منه والذي قد يجد المؤمنون بالرجعة إجابة عليه حين يعجز الرافضون عن ذلك هو: “كيف سمح تعالى أن يُقتل هذا العدد من الأطفال في غزة وبالوحشية التي تمت بها تلك الإبادة؟”.

فلا رجال الدين المسلمين قادرون على تفسير ذلك على وفق القرآن أو العدل الإلهي بينما يجد رجال الدين النصارى صعوبة بالغة في شرح ذلك في ظل التبشير بأن الرب هو أب رؤوف رحيم!

وبرغم أنه لم توجد يوما نظرية موحدة بين المؤمنين بالرجعة تشرح كيفية انتقال النفس من جسد لآخر. حيث اجتهدت كل فرقة من القائلين بالرجعة بنظرة تسعى الى تأويل ما يقع للناس من أعراض في حياتهم بما يتفق مع الفقه الباطن لتلك الفرقة. إلا أن الإطار العام للرجعة يقوم على أساس الإيمان بأن النفس تعود الى الأرض بعد الموت لتحل في جسد جديد، مما يبدو خلقا جديدا، فلا تعلق في البرزخ كما يقول أغلب فقهاء المسلمين. ولو أخذنا بوصف الدروز لهذه العملية بأنها عملية (تقمص) أمكننا الحديث عن أن كل حلول للنفس في جسد جديد يمكن أن يسمى (قميصا)، كما هو الحال في اتخاذ الإنسان لقميص جديد. وهكذا تكون رجعة النفس للأرض سلسلة من (القمصان).

فما هو السند القرآني للقائلين بالرجعة وكيف يرد عليه الرافضون، هذا حديث آخر سآتي عليه لاحقا إن شاء الله.

وللحديث صلة……

عبد الحق العاني

14 حزيران 2026

www.haqalani.com

اترك تعليقاً