أأخطأ المسلمون في قراءة قوله تعالى “أمرنا مترفيها”؟
لست ملما بقراءات القرآن حيث إني أقرأ القرآن كما يستقيم مع فهمي له. فإذا وجدت قراءة لا تستقيم مع فهمي توقفت عندها كما هو الحال في الآية موضع هذا المقال.
فقد اشتهرت بين المسلمين قراءة القرآن برواية حفص بن سليمان الأسدي عن عاصم بن أبي النجود الأسدي الكوفي. فقرأ الناس الآية 16 من سورة الإسراء كما يلي: “وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”.
وليس عسيرا فهم المأزق الذي وجد فيه المفسرون أنفسهم وهم يقرأون النص الذي يوحي بأنه تعالى أمر المترفين بالفسق ثم عاقب أهل القرية بتدميرها.
فانبرى المفسرون يبحثون عن حيل لغوية لإيجاد مخرج فقال جمهور أهل السنة: إن الله لا يأمر بالفسق؛ وإنما أمر المترفين بالطاعة فعصوا أمره فعاقب أهل القرية على عدم طاعة المترفين بإهلاكها. أو أنه تعالى مكّن المترفين ووسّع عليهم، فاستعملوا النعمة في المعصية، فاستحق المجتمع الهلاك.
وقال شراح الشيعة قولا مشابها لقول أهل السنة وأضافوا عليه تفسيرا آخر وهو أن الإرادة الإلهية هنا تتعلق بوقوع الجزاء والهلاك بعد تحقق أسباب الفسق، لا بأن الله أجبرهم على الفسق.
ليس في أصل المسألة خلاف كبير فكلا الاتجاهين يرفض أن يكون معنى الآية أن الله يأمر الإنسان بالمعصية ثم يعاقبه. أي أن الله لم يأمر المترفين بالفسق، وإنما مكّنهم من الأمر والسلطان، فكان فسقهم نتيجة استعمالهم ذلك السلطان.
لكن كل ذلك الجهد والتكلف في افتراض قيام أمر بالطاعة أو افتراض معنى مجازي لـ “امرنا” غير مسوغ لإنقاذ الآية من إشكال نشأ من تلك القراءة، ذلك لأن القراءة السليمة للآية تلغي الحاجة لكل ذلك.
فما هي القراءة الصحيحة للآية؟
وأول ما يستوقفنا هو أن الذي يقرأ الفعل في الآية على أنه “أمَرْنا” ثم يتبعه بقراءة “ففسقوا” إنما يقول إنه تعالى أمر المترفين بالفسق، وهذا مناقض للنص الصريح في أنه تعالى لا يأمر بما يعاقب عليه كما في قوله:
“وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ”.
لكني لا أدري كيف غاب عن أذهان المفسرين حقيقة أن القرآن نزل نطقا وليس كتابة وان الكتابة محدثة على التنزيل. وحيث إن العربية في صدر الإسلام كانت تكتب بدون حركات فليس صعبا تصور أن حركة الشدة على الميم سقطت عند النسخ فتحولت كلمة “أمَّرنا” الى “أمَرنا”. فيكون أصل الآية قوله تعالي:
“وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمََّرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”.
بتشديد الميم.
فحين يجعل تعالى المترفين أمراء في مدينة فإنهم سوف يفسقون فيها لأنه تعالى أعرف بالكون وما فيه وأعرف يأن المترفين في كل زمان ومكان أصل الفساد فدل على ذلك في قوله عز من قائل: “وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ.”
وليس انتقاصا من القرآن أن يقول قائل بأن قراءة حفص عن عاصم ليست معصومة وأن سقوط الشدة في النسخ ليست صعبة التصور.
ولو فكر المفسرون قليلا خارج قيود التقليد الأعمى في كل ما وصل عن السلف لوفروا على أنفسهم مشقة البحث عن تأويل غير مقبول واستراحوا وأراحوا.
قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى.
عبد الحق العاني
6 تشرين أول 2026