نجاح الصهيونية في استصغار الإسلام – 3

ما العلاقة بين الشريعة الإسلامية والقانون العام الإنكليزي!

إن الهدف من كتابتي لهذا المقال في أجزاء هو عرض جانب من الكريم والنبيل في الفكر الإسلامي وليس للدفاع عن سلوك معين للمسلمين أو تقليد التصق بطائفة منهم. وإنما هو إظهار بعض المبادئ النبيلة التي جاء بها الإسلام وذلك للرد على الحملة الإعلامية الصهيونية التي تسعى للإساءة للإسلام من خلال تشويهه باتهامه أنه يدعم السلوك المشين أو السياسيات الباطلة. إن الانتقاص من الإسلام يمّكن الصهيونية من الطعن بالمسلمين في بريطانيا وخارجها ضمن محاولة فشل الساسة الإنكليز في إدارة البلد بتحميل الآخرين مسؤولية ذلك. 

وقد عرضت في الجزئين السابقين جانبا من مبادئ الإسلام في التعامل مع المرأة وهو واحد من أبواب الانتقاص السائدة في الإعلام الإنكليزي الرخيص، وذلك لتبيان كذب الادعاء بانتقاص الإسلام لحقوق المرأة وحرمانها من حقوقها الأساس.

وأعرض اليوم لجانب لا يقل أهمية في تبيان نضج الشريعة الإسلامية للحد الذي يجعلها على قدم المساواة مع القانون العام الإنكليزي والذي يشكل اليوم أوسع قانون في تأثيره في العالم من خلال كونه مصدر القانون في كل دول الكومنوويلث البالغ عددها اليوم (56) دولة.

والكتابة في هذا لها أهميتها بسبب الحملة المسعورة التي يقودها الرئيس الأمريكي المعتوه ويرددها عدد من الساسة والصحفيين في بريطانيا بما فيهم عدد من رجال القانون، والتي تصف الشريعة الإسلامية بانها نظام بدائي أو غريب عن التقاليد القانونية العقلانية وهو ادعاء غير دقيق تاريخياً وقانونياً كما سأبينه.

إن ما أحاول أن أبينه هنا هو أن العقل القانوني الإسلامي لم يكن أقل قدرة على تطوير مؤسسات وقواعد قانونية معقدة من العقل القانوني الأوروبي، ذلك من خلال الاستنتاج بأن تقليداً قانونياً بريطانياً أصيلاً نشأ بصورة مستقلة وصل بدوره إلى عدد من الحلول التي نجدها في الفقه الإسلامي، مما لا يجعل الشريعة الإسلامية إنكليزية كما لا يجعل القانون العام إسلاميا. بل إني أرمي لأبعد من ذلك في تبيان أن المجتمعات البشرية تميل، عندما تطور نظاماً قانونياً بصورة عضوية، إلى الوصول بصورة مستقلة إلى حلول قانونية متشابهة للمشكلات الاجتماعية المتشابهة. 

ولا يختلف القانون عن بقية فروع المعرفة في أنه عرضة للأخذ والعطاء وتبادل الأفكار بين الشعوب. وقد وقع تواصل بين المسلمين في المشرق مع الأنكلوساكسون في المغرب خصوصا في القرن الثاني عشر حين كان القانون العام في مرحلة تطوره عن طريق تجارة البحر الأبيض المتوسط وصقلية.  والا كيف أمكن لتقليدين قانونيين ولدا بصورة مستقلة، وفي بيئتين حضاريتين مختلفتين، أن يطورا عدداً من المفاهيم والمناهج والمؤسسات المتقاربة!

وحيث إن هذا ليس بحثا قانونيا فإني لن أكتب في الفرق بين الشريعة والقانون والفقه في الإسلام، حيث إن الشريعة أوسع من القانون، والفقه القانوني جزء من التراث الشرعي. الشريعة، في التصور الإسلامي، هي المرجعية المعيارية؛ أما الفقه فهو الجهد البشري في استنباط الأحكام وفهمها وتطبيقها. وأكتفي هنا بالحديث عن القانون الإسلامي والشريعة كما لو كانا واحدا. وليس في هذا الافتراض هنا ما يقلل من الهدف من الكتابة. 

وحين نحاول أن نعقد موازنة بين القانون الإسلامي والقانون العام لتحديد مدى التشابه في التطور أو الاختلاف فإن هناك عدة أوجه لعقد هذه الموازنة. فمنها القول في التشابه في المنهج والوظيفة والمؤسسة كما يلي:

أولاً: التشابه الوظيفي.

احتاج كلا النظامين إلى حلول لمسائل إنسانية مشتركة: العقد، الدين، الملكية، الحيازة، الضرر، الإثبات، الوكالة، الوقف، القضاء، حجية الأحكام، المسؤولية الفردية.

ثانياً: التشابه المنهجي.

إن كلا من الشريعة والقانون العام ليس مجرد مجموعة أوامر تشريعية جامدة، وإنما نشأ وتطور من خلال التعامل مع الحالات الواقعية وتراكم الحلول القانونية. هنا يصبح القياس والاجتهاد في الفقه الإسلامي مثيراً للموازنة مع السابقة القضائية في القانون العام.

ثالثاً: التشابه المؤسسي.
وهناك مجموعة من أوجه التشابه في مؤسسة الوقف وتطور استقلال القضاء وتقييد الحاكم بالقانون ونظام الشهادة الجماعية المشابه لهيئة المحلفين.

وقد وجدت أن أفضل سبيل لعقد موازنة تبين التشابه في التطور بين القانون العام والشريعة الإسلامية هو عرض موجز لأمثلة حقيقية في التشابه الوظيفي أو المنهجي أو المؤسسي.

  1. الاجتهاد والقياس: فحين يواجه القاضي حكما ثابتا في مسألة أصلية يحدد العلة وحين يتحقق من وجود العلة في مسألة جديدة يلحق الفرع بالأصل. وهذا يقترب كثيرا من ما يجري في القانون العام حيث يبحث القاضي في القضايا السابقة عن المبدأ الذي يفسر الحكم ثم يقرر مدى انطباق ذلك المبدأ على الوقائع الجديدة خالقا بذلك قاعدة تتبع في السابقة القضائية الملزمة عند تطابق القضايا. 
  1. الوقف: يفصل المال عن الاستخدام الشخصي للواقف ويخصصه لغرض أو مستفيدين ويضع إدارته بيد متول. وهذه مؤسسة تشبه كثيرا “الإئتمان” في القانون العام والتي يجري فيه وضع مال بيد “مؤتمن” لخدمة منتفعين.
  1. العقد: طور الفقه الإسلامي نظرية غنية جدا للعقد لأهميته الاجتماعية تشمل: الإيجاب؛ والقبول؛ الأهلية؛ الرضا؛ محل العقد؛ الالتزامات؛ الضمان؛ خيار العيب؛ خيار الشرط؛ الغرر؛ التدليس؛ القوة الملزمة للعقد في حدود معينة. واقترب القانون العام في القرون الوسطى من قانون العقود الإسلامي في النظام الذي عرف “العمل على الدين” والذي أنتج لاحقا قانون العقود السائد اليوم.
  1. حماية الحيازة والملكية: وطور الفقه الإسلامي نظرية غنية هي الأخرى في الحيازة والملكية لا تقل تعقيدا عن نظرية العقد لأهميتها هي كذلك في العلاقات بين الناس. فحين ميز الفقه الإسلامي بين الحيازة في وضع اليد على الشيء والسيطرة الفعلية عليه وبين الملكية في ثبوت حق الشخص بالشيء والتصرف به فإنه استنبط قواعد عدة في حالة الجمع بينهما وفي الإثبات. وقد طور القانون العام مفاهيم متشابهة في الحيازة والسيطرة الفعلية والملكية القانونية والملكية النفعية.  
  1. هيئة الشهادة الجماعية: طور الفقه الإسلامي والمالكي بشكل خاص مبدأ الشهادة الجماعية ذات الخصائص المجددة للاعتماد عليها في الحكم. وهذه تشبه كثيرا هيئة المحلفين في القانون العام الأنكلوساكسوني التي سادت في القضاء المدني والجنائي بشكل أخص.
  1. حجية الأحكام: طور الفقه الإسلامي نظرية لا تختلف كثيرا عما توصل له العقل البشري من إن النزاع الذي حُسم بحكم نهائي لا يجوز أن يظل مفتوحاً بلا نهاية. وهذا المذهب أصيل في القانون العام كذلك.
  1. تقييد السلطة بالقانون: جعل الفقه الإسلامي سلطة الحاكم تحت طائلة القانون. الحاكم لا يملك أن يجعل الحلال حراماً أو الحرام حلالاً، ولا أن يغير حكماً شرعياً ثابتاً لمجرد إرادته. والقاضي، من حيث المبدأ، يحكم بالشرع لا بأمر الحاكم. ومصدر القانون خارج إرادة الحاكم، فالقرآن والسنة ثم القواعد الفقهية والاجتهاد ليست أوامر يصدرها الخليفة أو السلطان في كل قضية. وحين تطور القانون العام فإنه رفض القبول بوضع الملك نفسه فوق القانون كما كان عليه الحال فأصبح بذلك مشابها لتقييد السلطة بالقانون الى حد كبير وان لم يكن مطلقاً، وقد أخذ هذا التطور وقتا طويلا.
  1. استقلال القضاء: قضى الفقه الإسلامي باستقلال القضاء والحكم على وفق قواعد وأدلة قانونية وليس بموجب رغبة الحاكم. والقانون العام وصل في تطوره لنتيجة مشابهة في أن سلامة العدل تقضي باستقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، وتحقق ذلك الى حد كبير عمليا وإن لم يقم في كل حال. 

ويمكن جمع مواضع التشابه بين الشريعة الإسلامية والقانون العام أعلاه تحت المحاور التالية:

  1. منهج الاستدلال:
    الاجتهاد والقياس والتطور التراكمي للقواعد.
  2.  القانون الخاص:
    العقود والالتزامات والضمان والملكية والحيازة.
  3. المؤسسات القانونية:

الوقف، القضاء، حجية الأحكام، وآليات الإثبات.

  1. النظرية الدستورية:
    خضوع السلطة للقانون وعدم كون الحاكم مصدراً مطلقاً للقواعد.

إن خلاصة ما أوجزته أعلاه هو أن الشريعة الإسلامية التي ولدت عن الفقه الإسلامي ليست ما يحاول الصهاينة تصويره للمواطن الساذج في أنها مجموعة بدائية لسلوك قوم متخلفين. فهي في تطورها لا تختلف عن نضج القانون العام الذي يشكل القاعدة العامة لقوانين أكبر عدد من دول العالم اليوم. 

إن هناك فرقا بين الدفاع عن القانوني الإسلامي وبين تسويغ كل حكم أو ممارسة نسبت تاريخياً إلى الشريعة. كذلك الحال في القانون العام فإذا وجدت ممارسة بريطانية تتعارض مع قيم القانون العام، فمن الممكن الاعتراف بذلك ومناقشته. لكن أيا من هذا لا يلغي قيمة التراث القانوني في أي من الحالين، كما لا يمكن الاستناد لذلك الخلل في استصغار القانون أو مصدره كما هو الحال في محاولة النيل من الإسلام من خلال الطعن بمظاهر من الشريعة الإسلامية.

عبد الحق العاني

28 آب 2026

www.haqalani.com

اترك تعليقاً