لماذا الخَلقُ، وكيف؟ – 20

كنت قد كتبت أن الروح تدخل النطفة في الرحم فتحيلها حية. أما النفس فهي لا تدخل الجسد إلا بعد خروج الجنين من الرحم، أي أن النفس لا تسري في رحم. ألا ترى أن الجنين لا يتنفس حتى يخرج من الرحم، فإذا لم يتنفس فإنه لا يحيى خارج الرحم برغم كون الروح قد حلت فيه ذلك لآن الديمومة للإنسان لا تقوم إلا بوجود الروح والنفس معا في الجسد.

وكما سبق وأشرت في أن العبقرية التي جعلها تعالى في لغة القرآن جديرة بالتدبر المستمر لأنها ليست وسيلة للتفاهم وحسب وإنما في طياتها فقه الدين كذلك. ألا ترى أن كلمة (نَفَس) بفتح الفاء مشتقة من كلمة (نّفْس) بسكون الفاء. أي أن التنفس هو حركة النفس في الجسد! فكيف يمكن تصور الإنسان لولا الحركة في الجسد في أي شكل من أشكالها من حركة الخلية الواحدة الى حركة جهاز كامل وكلها تبدأ من حركة النفس الناتجة عن التنفس.

فيا لها من عبقرية إلهية خصنا بها تعالى في هذه اللغة الجميلة الهادية والمطمئنة.

وهذه النفس التي أوضحت أنها هي اللامرئي الذي يتخلل المادي في الجسد مانحة إياه كل حس ومقدرة محولة بذلك أعضاء الجسد الى قوى فاعلة من تنفس وسمع وبصر ونطق ولمس وقوة.

وعندي أن سكن النفس هو في الفؤاد ذلك أنه تعالى حين أعلمنا شيئا عن النفس قال: “ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ ۚ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ” ولم يقل (الدماغ) كما يظن أكثر الناس أنه موضع التحكم في الإنسان. بل إنه تعالى زادنا فضلا في توضيح ذلك فقال عز من قائل: “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” فجعل صفة العقل في القلب وليس في الدماغ. وهكذا يكون الفؤاد هو موضع النفس والمحرك للإنسان ويصبح الدماغ جهاز التنفيذ الذي يأتمر بأمر الفؤاد العاقل والمتحكم بالجسد. ألا ترى أن خلايا الدماغ لا تحس بشيء بينما تحس خلايا القلب بكل شيء.

وزادنا تعالي بصيرة في قوله: “فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور” فجعل سبب فقدان المقدرة على التبصر انعدامها في القلب.

وبين لنا تعالى أن هذه النفس مخيرة في أن تتقي فتنجو أو تسيئ فتخيب. ثم توسع في عدد من الآيات لن نعرضها هنا لكنها واضحة لمن أراد اليقين في أن هذه النفس هي التي تُبتلى أو تُعذب في الدنيا والآخرة. وقد يكون عذاب الآخرة غير واضح أو مفهوم لأنه يتعلق بمعنى الجنة والنار وما إذا كانت الإشارة لهما في القرآن إشارة مادية أو معنوية في كونهما يعبران عن القرب والبعد من الله. لكن عذاب الدنيا مفهوم ومنه ما يدلنا شيئا عن عذاب الآخرة. فقد جعل تعالى المسخ في الدنيا دليلا على الآخرة.  فقال في اليهود الملعونين في الدنيا والآخرة حين عصوه: “فَلَمَّا عَتَوْا عَن مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِين”. فاعترض صاحبي قائلا إنه تعالى وإن كان قد قضى بجعلهم قردة فإنه شاء أن يقع ذلك بعد الحشر يوم القيامة. 

وهذا اعتراض مردود من بابين: أولهما أن أمر الله ليس من الوقت فهو واقع حين يأمر الله يكون. وثانيهما يتضح من قوله تعالى بعد هذه الآية: “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ”، فلو أن عذاب المسخ كان ليقع بعد الحشر لما قال تعالى بعذابهم الواقع كل يوم حتى يوم القيامة!

وكل نفس لها أجل لتستقر به في ذلك الجسد الذي حلت به يوم الولادة، وهو أجل قابل للتغيير كما سآتي عليه في جزء لاحق. وهكذا قضى تعالى أنه ما أن ينتهي عمر هذه النفس في الأجل الذي حدده لها في هذا الخلق وتكون إما قد زكت فأفلحت واطمأنت فقال لها: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي”. وإما قد دست فخابت فانتهت كما قضى تعالى: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ”، فتعلق مصيرها بما يحدث بعد الموت كما سآتي عليه لاحقا.

وحين يحين الموت فقد قضى تعالى: “وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُّؤَجَّلًا ۗ وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ۚ وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ”، أي أن النفس تموت وذلك عند خروج الروح من الجسد الذي كان قد دخله وهو نطفة في الرحم. وتبقى النفس في الجسد بعد خروج الروح بانتظار أن تقبض فيكون الجسد عندها دون روح ولكن ليس بالضرورة بدون حس. لذلك شاع بين المسلمين حديث عن الملائكة الذين يحضرون الميت لحسابه والذي أسموه (عذاب القبر). وقد صدرت مؤخرا دراسات علمية وهي تتحدث عن حالة الجسد بعد الوفاة في أنه يحس ويسمع ويبصر برغم الموت. وبعد هذه الحالة تقع الوفاة.

والوفاة مشتقة من الفعل “وفى”، وهي إيفاء الحق أو الدين فتكون وفاة النفس إيفاءها حقها. 

وقد وجدت إتماما للفائدة أن أنقل ما كتبه الخليل بن أحمد الفراهيدي في كتاب “العين” عن الفعل ومعانيه.

“وفي: تقول: وَفَى يفي وفاءً فهو واف … وفيتَ بعهدك، ولغة أهل تهامة: أوفيت. ووَفَى ريشُ الجناح فهو وافٍ، وكلّ شيءٍ بلغ تمام الكمال، فقد وَفَى وتمَّ.. وكذلك يقال: درهم وافٍ، يعني أنّه درهم يزن مثقالاً.. وكيل واف. ورجل وفيٌّ: ذو وفاء. وتقول: أَوْفَى على شَرفٍ من الأرض، إذا أَشْرف فوقَها. والمِيفاةُ: الموضعُ الذي يُوفي فوقه البازي لإيناس الطّير أو غيره. 

وإنّه لَمِيفاء، ممدودة، على الأَشراف إذا لم يَزَلْ يُوفي على شَرَف بعد شَرَف..
والمُوافاةُ: أن تُوافِيَ إنسانا في الميعاد، تقول: وافيته. وتقول: أَوْفَيْتُهُ حقَّهُ، ووفّيته أَجْرَهُ كلّه وحسابه ونحو ذلك. والوفاةُ: المنيّة.. وتُوُفِّيَ فلان، وتوفّاه الله، إذا قبض نَفسَهُ.

ويبدو لي في الانتقال من معنى كلمة “وفى” كما عرفته العرف واشتقاق الفقهاء لمعنى جديد لكلمة (الوفاة)، والتي لم ترد هي ذاتها في القرآن، في أنها تعني قبض النفس هو حال فرضه الفقهاء على أهل العربية أثناء محاولتهم لفهم القرآن وتأويله. 

وعندي أن كلمة “توفى” والتي جاءت سبع مرات في القرآن تحمل المعنى ذاته الذي عرفته العرب والذي لا يختلف في قوله تعالى بين: “الذين تتوفاهم الملائكة” و “توفى كل نفس ما كسبت”. 

وقد وصف لنا تعالى في كتابه الكريم توفي النفس في عدة أشكال يقضي التوقف عندها. فقد قال تعالى في المجرمين قولة كشفت عدم رضاه عنهم: “الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ ۖ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ۚ بَلَىٰ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”، فلم يخصص أحدا من الملائكة لتوفي أولاء المجرمين وكأنه أطلق يد الملائكة فيهم ليتصرفوا كما يشاؤون في إيفاء المجرمين حقهم. ثم استثنى تعالى من ذلك صالح المؤمنين من عباده فقال عز من قائل: “قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ” فخص كلا منهم بملك يتولى إيفاءه حقه. 

ثم نشر رحمته لعباده المؤمنين فقال فيهم: “اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”، فخص المؤمن بكرامة مشاهدة ربه عند موته وأنه هو الذي يوفيه أجره عند المنية، فيا له من عظيم الشرف أن يرى المؤمن ربه!

فماذا يحدث بعد الموت؟ هذا حديث آخر سآتي عليه لاحقا إن شاء الله.

وللحديث صلة……

عبد الحق العاني

18 أيار 2026

www.haqalani.com

اترك تعليقاً