فائدة لغوية فقهية

أتصح تسمية الله بالأزل؟

سألني صاحبي أيجوز أن نسمي الله بالأزل؟ فقلت لا، فقال لم لا؟  فكان هذا جوابي.

إن عدم قبولي تسمية الله بالأزل له سببان: أحدهما لغوي وثانيهما ديني قرآني، وإن كانا متداخلين.

ذلك أن كلمة الأزل ليست كلمة أصيلة في لغة العرب وإنما هي اشتقاق جديد جاء به فلاسفة العرب بعد الإسلام لحاجة ألجأهم لها كثرة استعمال الفعل المجزوم (لم يزل)، أي إنها لم تكن معروفة قبل القرآن والدعوة المحمدية.

لنبدأ النظر في ما كتبه أصحاب المعجمات، وهي تتفق في ذلك، وأكتفي هنا بما كتبه ابن فارس في “المقاييس” حيث كتب في باب (أزل): 

“وأما الهمزة والزاي واللام فأصلان: الضِّيق، والكَذِب. قال الخليل: الأزْل الشدّة، تقول هم في أَزْلٍ من العَيْشِ إذا كانوا في سَنَةٍ أو بَلْوَى…… قال الشّيبانيّ: أزَلْتُ الماشية والقومَ أَزْلاً أي ضيّقْت عليهم….. وأُزِلَتِ الإبلُ: حُبِست عن المرعَى….. ويقال أُزِلَ القوم يُؤْزَلُونَ إذا أجْدَبُوا…… وأما الكَذِب فالإزْل.” وهكذا جمع ابن فارس ما اتفقت عليه المعجمات التي نقلت عن علماء العربية أن (أزل) يعني الضيق أو الكذب.”

وهكذا فإنك إذا عدت لشعر العرب قبل الإسلام وجدت أن استعمال (أزْل) جاءت في مجملها بهذا المعنى وليس هناك شاهد شعري واحد على استعمال (أزل) غير هذا. وحيث إن علماء العربية اتفقوا على أن شواهد الشعر قبل الإسلام والقرآن هما مصدر اللغة العربية فإن ما لم يأت في شعر العرب أو في القرآن ثم استعمل لاحقا لمعنى جديد لا بد أن يكون محدثا لعلة ما.

لذلك نجد ابن فارس يستطرد في باب (أزل) من كتاب المقاييس ليقول:

“وأَما الأزَل الذي هو القِدَم فالأصل ليس بقياس، ولكنّه كلامٌ مُوجَزٌ مُبدَل، إنّما كان “لم يَزَلْ” فأرادوا النّسبة إليه فلم يستقم، فنسَبُوا إلى يَزَل، ثم قلبوا الياء همزة فقالوا أَزَلِيٌّ، كما قالوا في ذي يَزَن حين نسبوا الرُّمْحَ إليه: أَزَنيٌّ. ” 

فأخبرنا ابن فارس أن استعمال (الأزَلِ) بمعنى القديم ليس أصيلا ولا قياس له بل إنه جاء نتيجة رغبة الفلاسفة في اختزال استعمال (لم يزل) حيث لم يكن بمقدورهم النسبة الى (لم يزل) فنسبوا الى (يزل) فقالوا (يزلي) ثم قلبوا الياء الأولى ألفاً فقالوا (أزليّ). وهكذا ولد استعمال (أزليّ) و (أزل) والذي لم يكن أي منهما معروفا عند العرب قبل الإسلام ولم يرد في القرآن.

أما الفعل الثلاثي (زال) فهو إما يأتي ناقصا في (ما زال) وهو لا مصدر له أو يكون تاما في (زال يزول زوالاً)، فيكون المصدر غير متشابه مع (الأزل).

وهكذا نفهم سبب عدم وجود كلمة (أزل) و (أزلي) بمعنى القديم قبل الإسلام لأنها كلمة محدثة.

وقد يكون من زيادة الفائدة التذكير بانه ليس في العربية (أزَلَ أزَلاً) بل إن المصدر كما بينت أعلاه هو (أزَلَ أزْلاً). فليس (أزَلاً) مصدراً أصيلا في العربية. أما المصدر (أزْلاً) فيعني الضيق أو الكذب وليس صفة القدم.

فالأزل والأزلي التي اشتقها العرب من الفعل (لم يزل) جاءت لتعبر عن القديم المستغرق في القدم. لذا وجد قوم من العرب لاحقا ألا ضير في إطلاقها عليه تعالى ما دامت تشير للقديم وهو تعالى قديم.  لكن الإشكال في هذا أن هذا القديم مهما استغرق في القدم فإن له أول لأن الذي ألجأ الفلاسفة للاشتقاق هو الحاجة لوصف القديم. لكن القديم، أي قديم، لا بد أن يكون له أول. وحيث إنه تعالى سمى نفسه بقوله: “هو الأول والآخر”، فقد امتنع أن يكون تعالى أزلا لأن الأزل له أول وهو تعالى لا أول له.

والسبب الثاني عندي بعدم جواز تسميته تعالى بالأزل يقوم على النص القرآني. ذلك أنه تعالى فطر الخلق على ما علمه هو له كما قالت الملائكة: ” قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ”. فلا بد أنه تعالى أول ما علم الملائكة، قبل بني آدم، هو كيف يسبحون ويحمدون وفي كل هذا خطاب له باسم من أسمائه. واتضح وجوب اتباع ما سمى به نفسه في قوله تعالى: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَٰنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَٰنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا”، فحين سمى نفسه “الرحمن” ولم يكونوا قد سمعوا بها من قبل فقد وجب أتباعه في تسميته بالرحمن لأنه كذلك سمى نفسه. 

وقد فصل لنا في القرآن الكثير من أسمائه منها ما جاء متفرقاً في الآيات ومنها المثال الذي جمع فيها أسماءه الحسنى في سورة الحشر ومنها ما جاء في أدعية على لسان أنبيائه كما في قوله على لسان سليمان: ” قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ“.

ثم قضى بعدم جواز تسميته إلا بأسمائه الحسنى فقال: “وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”. فنبه تعالى الى أن ما لم يكن من أسمائه الحسنى فهو إلحاد لا خير في المؤمن أن يقربه. 

فمن أراد أن يكون في مأمن من هذا فلا يسمه إلا بما سمى به تعالى نفسه في القرآن.

وحيث إن كلمة (الأزل) ليس فقط لم ترد في القرآن وإنما هي كلمة محدثة، فكيف يمكن تسميته بها. وحتى لو قال قائل بأنها تعني الإشارة للقديم فلماذا نحتاج لكلمة محدثه لوصف القديم. 

فكيف والحال هذا يمكن لنا أن نقول إنه تعالى ارتضى اسم (الأزَلَ) لنفسه إذا كانت الكلمة من صنع إنسان ما بعد القرن العاشر الميلادي وليست كلمة قديمة كما يقتضي بأسمائه أن تكون؟

فمن أراد أن يصفه بالقدم فعليه باسمه (الأول) الذي اختاره لنفسه في قوله عز من قائل: “هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ”. 

قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى.

عبد الحق العاني

1 أيلول 2026

اترك تعليقاً