نجاح الصهيونية في استصغار الإسلام – 2

كيف منح الإسلام المرأة استقلالها!

حين كتبت الجزء الأول من مقالي هذا رد علي من رد بالقول إن المرأة مضطهدة في المجتمع الإسلامي. لكني لم أقل خلاف ذلك. ذلك أن الهدف مما أكتبه هو الرد على المحاولة السياسية للنيل من الإسلام عن طريق التشويه في وصف سلوك طائفة كبيرة من المسلمين على أنه تعبير صادق عن قواعد الإسلام وهي ليست كذلك خصوصا إذا كانت هذه المحاولة السياسية صادرة عمن يدعي أن الإسلام يتناقض مع القيم اليهودية النصرانية التي يؤمن بها في الوقت الذي يعجز هو فيه أن يشرح لنا ما علاقة يهودية موسى (ص) أو نصرانية عيسى (ص) باي من سلوك أوربا خلال خمسة قرون من الغزو والتطهير العرقي والاستيطان والاستعباد وسرقة خيرات أهل الأرض.

إن محاولتي هي لتبيان عدد من القواعد والمبادئ السامية التي جاء بها الإسلام وجرت محاولات سياسية في أوربا عبر قرون لتشويهها من أجل تسويغ عدوان أوربا على المسلمين خاصة وأهل الأرض عامة.

بدأت في الجزء الأول بتوضيح حقيقة أن المرأة، خلافا لما أشاعته الصهيونية في أوربا، تعلمت في ظل الإسلام بشكل ينفي ادعاء الصهيونية بحرمانها من ذلك الحق، بل بينت أن المسلمين الأوائل تعلموا في جامعة أنشأتها امرأة مسلمة عام 859 م في حين إن أول امرأة دخلت جامعة أوكسفورد كان في عام 1920 م.

اكتب اليوم عن كيف أعطى الإسلام المرأة استقلالها.

إن مما لا يختلف عليه اثنان هو أن كل المجتمعات طيلة التأريخ المدون بنيت على أساس قيام الرجل بالعمل لكسب الرزق بينما بقيت المرأة في البيت لإدارته وتربية الأطفال. وهذه الحقيقة قامت في كل المجتمعات تقريبا أياً كان النظام السياسي السائد في البلد، ولم يبدأ التغير في أوربا في هذه الحقيقة حتى ولدت الثورة الصناعية.

ونتج عن هذه الحقيقة أن المرأة كانت تبعا ماليا للرجل الذي اعتمدت عليه لتغطية حياتها وحاجتها. وهذه الحاجة حقيقة دامغة قادت لعبودية المرأة حيث إن سلوكها كان محكوما بالحاجة للرجل في العيش. فإذا خرجت من بيت أبيها فقد كان ذلك في الأغلب الى بيت زوجها الذي خلف أباها في استعبادها المالي. 

وحيث إن أوربا هي التي تعظ العالم اليوم وتوزع الرضا أو السخط كما تشاء فإني أعرض الحال التي كانت عليه المرأة كي أتمكن لاحقا من عقد موازنة مع حال المرآة في ظل الإسلام. لكن الحديث عن كل أوربا واسع وقد لا يحقق نفعا كبيرا بسبب التشابه مما يعني تكرار الأمثلة. لذا فإني سوف أبحث كيف تطور حال المرأة في المجتمع الأنكلوساكسوني والذي يمثل كتابه اليوم وعاظ العالم حول حرية المرأة وحقوقها خاصة وحقوق الإنسان عامة.

حين نزل وليم الفاتح ساحل إنكلتره عام 1066 م وتمكن منها أعلن تملكه لكل الجزيرة ثم وزعها إقطاعيات بين كبار قادته. فولد من ذلك اليوم نظام يرث فيه الأرض أكبر الذكور في ذلك الجيل. لذا فإننا نرى، على سبيل المثال، دوق وستمنستر اليوم ما زال يمتلك إقطاعية سلفه، ما يعني أن أية امرأة من تلك العائلة لم ترث شبرا من الأرض في أي جيل، فثبت بذلك عبودية المرأة الأنكلوساكسونية للرجل الذي يتحكم بها لعدم مقدرتها على ملك شيء يمكنها من استقلالها بذاتها.

وقد مرت قوانين الملكية والإرث بسلسلة من التغيرات التي يطول شرحها لكن يمكن تلخيص أهم مظاهرها كما يلي:

  • من عام 1066 حتى القرن السابع عشر: كانت الميزة الأساس لهذه الفترة هي ملك أكبر الذكور للثروة باستبعاد المرأة عن حق الملكية الفردية والإرث. كانت الأرملة تعتمد بشكل أساس على المهر للعيش مع حق السكن في جزء من أرض الزوج المتوفى دون أي تمّلك. فإذا تزوجت الفتاة فإن ما يمكن أن تكون قد امتلكته قبل الزواج يصبح بعد الزواج ملكا لزوجها حيث إنها هي تصبح ملكا له في اتخاذها لاسم زوجها. وقد كانت عبودية المرأة أبعد من ذلك حيث عدت من الأموال المنقولة للرجل فإذا أفلس فإنها تغدو مما يحجز عليه من ممتلكاته.
  • من القرن الثامن عشر حتى التاسع عشر: حاولت محاكم العدالة تخفيف الحال حيث سمحت قواعد العدالة بأن تمتلك المرأة عن طريق وصية تعطيها حق التملك الذي كان القانون يرفضه.
  • القرن التاسع عشر: إن التغير الحقيقي في حق المرأة في الإرث والتملك بدأ فعليا في القرن التاسع عشر. فقد سمح لها قانون حق المرأة المتزوجة في الملكية لعام 1870 أن تحتفظ ببعض ما تحصل عليه من ثروة لنفسها. وذهب قانون عام 1882 أبعد من ذلك حين سمح للمرأة المتزوجة أن تمتلك وتحتفظ بملك مستقل باسمها شخصيا كما لو كانت غير متزوجة. وهكذا تغير حال المرأة في الإرث والتملك إذ أصبح ملك المرأة قبل الزواج ملكها حتى بعد الزواج خلافا لما كان سائدا حتى ذلك التأريخ.
  • القرن العشرون: ووقع التغير الحقيقي في الملكية والإرث في القرن العشرين حيث غيرت قوانين الملكية لعام 1922 و1925 حقوق المرأة في الملكية مساوية إياها بالرجل مما جعلها ترثه كما يرثها.

إن ما حدث في القرن العشرين هو ليس مجرد منح المرأة حقها في الإرث لكن الأهم من ذلك هو أن القانون أعطى المرأة استقلالها القانوني في حق الملكية بذاتها وهو ما لم تكن تمتلكه طيلة قرون. أي إن ما حدث في القرن العشرين هو أن المرأة في المجتمع الأنكلوساكسوني امتلكت استقلالها السياسي لأول مرة عن طريق استقلالها المالي.

فإين الإسلام من ذلك؟

كان حق المرأة في التملك والإرث معروفا عند العرب على اختلاف بحسب القبائل والدول التي كانت تتأثر بها. ودليل ذلك أن خديجة بنت خويلد زوج رسولنا الأكرم (ص) كانت تمتلك ثروة وتتاجر بها مما يدعم القول بحقها في الملك والإرث.

ثم جاء الإسلام ووضع قواعد جديدة للملكية والإرث مثبتة بنص قرآني لم يجر تجازوها على مدى أربعة عشر قرنا يمكن تلخيصها بما يلي:

  • تثبيت حق المرأة القانوني للملكية.
  • إقرار حق المرأة في الإرث بوصفه حقًا مفروضًا.
  • تحديد أنصبة الورثة بنصوص واضحة. 
  • إعطاء البنات، والزوجات، والأمهات، والأخوات أنصبة تختلف بحسب وجود الورثة الآخرين. 
  • منع حرمان المرأة من الميراث لمجرد كونها امرأة. 

وكان ذلك في مطلع القرن السابع الميلادي. 

فالإسلام لم يعط المرأة فقط حقا ثابتا في الإرث لكنه منحها الحق القانوني للملكية الشخصية. وهو بهذا منحها الاستقلال السياسي الذي ينتج عن الاستقلال المالي.

بل فعل الإسلام أكثر من ذلك حيث إن قوانين الإرث الواضحة منعت تراكم الثروة بيد الرجل والتي مكنته من الطغيان في ظل النظام الرأسمالي والذي هو بذاته نتيجة لنظام الملكية. 

فأي الناس أكثر ازدراء بالنساء؟ أهو الإنكلوساكسوني الذي حرمها حق الاستقلال طيلة القرون أم المسلم الذي أعطاها حق التملك والإرث منذ القرن السابع؟

عبد الحق العاني

26 تموز 2026

www.haqalani.com

اترك تعليقاً