الاستعمال الخاطئ للفعل وشى يشي
كان الإعلام اللبناني سبّاقا في نشأة الإعلام العربي، وترتب على ذلك السبق مسؤوليات كبرى ليس أقلها صيانة اللغة العربية وحفظها. لكن أكثر الإعلاميين اللبنانيين الأوائل، كما كان حال إخوانهم المصريين، كانوا قد تعلموا في الغرب بلغات لاتينية، فلم يكن إتقان اللغة العربية من كفاءاتهم. فنقلوا العبارة اللاتينية للعربية كما هي، وترجموا دون علم أو بحث أو تحقيق وحين استعاروا فإنهم فعلوا ذلك كيف ما اتفق!
ولم تنجح محاولات عدد من رجال اللغة الحريصين عليها في التنبيه وتوجيه الإعلاميين للخطأ واللحن الفاحش. فجمع الأستاذ إبراهيم اليازجي قبل عقود عددا كبيرا من اللحن والقبيح في الإعلام اللبناني وإخرجه في كتابه (لغة الجرائد)، لكن عددا كبيرا من الخطأ الذي أشار له اليازجي ما زال سائدا في الإعلام اللبناني اليوم.
وقد يكون اعتداد رجال الإعلام اللبنانيين بأنفسهم أحد أسباب التمادي في الخطأ الواضح.
وهكذا نقرأ أو نسمع الإعلام اللبناني يحدثنا اليوم عن انتخاب (الرئيس العتيد) وهو يريد (الرئيس المقبل) حيث إن العتيد في العربية هو (القائم أو الحاضر) “هذا ما لدي عتيد”. وهو ليس استعمالا مقبولا بحجة أن اللغة مخلوق حي قابل للتطور، لأن الكلمة تستعمل بعكس معناها والتطور لا يقع بقلب المفاهيم. ثم نسمع الإعلام اللبناني يحدثنا عن (القوات المولجة بالمهمة) وهو يريد (القوات المكلفة بالمهمة)، فلم تعرف العرب الفعل (أولج يولج) بمعنى (كَلَّف يُكلِّف) “يولج الليل في النهار” والحديث في هذا طويل حيث أخرج فيه اليازجي كتاباً.
أما اليوم فإني أكتب في استعمال الإعلام اللبناني لفعل يخدش سمع العربي الفصيح.
فقد شاع في الإعلام اللبناني استعمال الفعل “وشى يشي” بمعنى كشف يكشف أو أخبر يخبر أو بشر يبشر أو أعلم يعلم أو أوضح يوضح وهذا الاستعمال الخاطئ يتكرر بشكل يومي في نقل أخبار جرائم الصهيونية دون معرفة السبب حيث إن العربية غنية بالأفعال التي تعبر عن المراد حسب سياق الجملة.
وهذه أمثلة الاستعمال الخاطئ كما جاءت:
(وما يحصل على الأرض يشي بالكثير). وأحسب الكاتب أراد أن يقول “يخبر بالكثير”
(وتشي بان هناك خصوصية أمنية للوضع في العاصمة). وأظن المذيع أراد باستعماله الفعل “تشي” هنا “تخبر” أو “تنبئ”.
ولم تستعمل العرب الفعل “وشى” بهذا المعنى إطلاقاً. فقد جاء في معجمات اللغة العربية ما يلي:
كتاب العين
والحائك واشٍ يشي وشياً، أي: نسجاً وتأليفاً. والنمامُ يشي الكذب، أي: يُؤلفه، وقد وشى فلانٌ بفلانٍ وشايةً، أي: نمَّ به
مقاييس اللغة
(وَشَى) الْوَاوُ وَالشِّينُ وَالْحَرْفُ الْمُعْتَلُّ: أَصْلَانِ، أَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى تَحْسِينِ شَيْءٍ وَتَزْيِينِهِ، وَالْآخَرُ عَلَى نَمَاءٍ وَزِيَادَةٍ.
الْأَوَّلُ: وَشَيْتُ الثَّوْبَ أَشِيهِ وَشْيًا. وَيَقُولُونَ لِلَّذِي يَكْذِبُ وَيَنِمُّ وَيُزَخْرِفُ كَلَامَهُ: قَدْ وَشَى، وَهُوَ وَاشٍ.
صحاح العربية
وَشى كلامَه، أي كَذَبَ. ووَشى به إلى السلطان وِشايَةً، أي سعى.
القاموس المحيط
وشى كلامَهُ: كَذَبَ فيه،
وشى به إلى السُّلْطانِ وَشْياً ووِشايَةً: نَمَّ، وسَعَى،
وشى بنو فلانٍ: كَثُرُوا.
وخلاصة ذلك أن الفعل (وشى يشي) كما عرفته العرب واستعملته لألفي عام هو:
وشى يشي وشيا بمعنى زيَّن أو حسَّن
وشى يشي وشاية بمعنى كذب أو سعى أو نمَّ.
فليكف الإعلامي اللبناني عن استعمال الفعل “يشي” حين يريد أن يقول “ينبئ” أو “يخبر” أو “يكشف” أو “يبشر” أو “ينذر” أو “يعلم” أو “يوضح” حسب المعنى المراد في الجملة.
وأما بنعمة ربك فحدث.
عبد الحق العاني
8 أب 2026