لماذا الخَلقُ، وكيف؟ – 19 

بين الروح والنفس – 2

فماذا عن النفس؟ 

يقول الرحمن الرحيم: “وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ”. ويوضح لنا تعالى في هذه الآية الكريمة أموراً ويستر أموراً كما قضت حكمته. فمن ذلك أنه ليس واضحاً متى أخذ تعالى العهد على الأنفس، فهل تم ذلك مرة واحدة لكل الخلق؟ وإن كان فأين وقع ذلك ومتى كان ذلك؟ وإذا كان هذا هو الحال ألا يعني هذا أنه قد قضى تعالى لكل نفس من أي ظهر ستولد يوم أخذ ذلك العهد؟ أم أنه تعالى يخبرنا بأنه كلما خلق نفس إنسان من ظهر أبيه فإنه أخذ عليه العهد في إشهاد ذلك الإنسان على خلقه، وما ذلك على الله بعزيز!

وأيا كان وقت أخذ ذلك العهد فإنه تعالى لم يُفصّل لنا ما إذا كان العهد الذي أخذه على كل نفس هو في شهادتها على خلقه لها أم في شهادتها على مشاهدته تعالى، وبين الإثنين فرق ولا شك. وقد يساعد في فهم ذلك الاستدلال بقوله تعالى في موضع آخر من الكتاب: “مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا”. كما أثبتت لنا الآية الكريمة بطلان قول من قال بأن من الأنفس من نفى في قولها (بلى) واعتمد في ذلك على تخريج لغوي لا أصل له. فهذا القول بنفي الأنفس للشهادة ممتنع عقلا أيا كانت محاولات التسويغ اللغوي، فلا يعقل لنفس قد خلقت للتو لم تمتحن ولم تختبر أن تنكر حقيقة شهادتها لخلقها، وانّى لها هذا وهي لا علم لها سبق في أي شيء حيث إنها لم تكن عُلّمت شيئا، “وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ “.

ويخبرنا تعالى في الآية الكريمة حيث إنه أشهد كل نفس على خلقها فإذا عُرضت عليها رسالة سماوية فلا عذر لها أن تنكر مدعية أنها كانت غافلة عن حقيقة خلقها وإقرارها بربوبيته أو أن تحتج كما احتج الكثيرون أنهم وجدوا آباءهم كذلك واقتدوا بهم. كما قضت الآية الكريمة أن تكون كل نفس مكلفة بذاتها فميز في هذا المسلم عن النصراني الذي تربى على إمكانية توريث الخطيئة، بينما أعلمنا تعالى بأن لا تزر وازرة وزر أخرى.

وحيث إنه تعالى حدثنا كثيرا عن النفس حين نهى في السؤال عن الروح فلا بد من التفكر في النفس عملا بأمره تعالى: “وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.”

لقد نشأنا على قبول ما استنبطه علماء الطبيعة من أن المادة التي نعرفها والتي يتكون منها كل شيء ملموس فينا وحولنا هي مركبات مختلفة من ذرات تتكون كل منها من نواة محاطة بغيم من الإلكترونات، وتتكون النواة ذاتها من أجزاء أصغر ويتكون كل جزء منها من أجزاء وهكذا إلى ما لا نهاية. وقد فطرنا على أن لهذه المادة صفات نعرفها ونحس بها ونقيس شيئا منها أحيانا.

ثم أعلمنا أن هذا التعقيد الذي لم نفهمه كليا بعد لا يشكل سوى ما يقارب من 5% من الكون المشهود وهذا يعني أن ما يقارب من 95% من الكون مجهول لنا في جوهره ولا نعرف عنه سوى أنه يتداخل مع عالمنا المحسوس بشكل لا نعرفه بل نلمس شيئا من آثاره. 

وعندما حاول علماء الطبيعة تفسير شيء من المجهول وشيء من الظواهر التي لا يقدرون على فهمها فإنهم قالوا إن هذا المجهول يتكون من (المادة غير المنظورة) و (الطاقة غير المنظورة) وسموا كلا منهما بـ (السوداء).  فإذا كان جهلنا بجوهر الجزء الصغير من الكون والذي يشكل ما يقارب من 5% من الكون المشهود هو بالحجم الذي شغل الإنسان منذ وجد على الأرض فلا بد أن يكون جهلنا بالجزء المجهول والذي يشكل ما يقارب من 95% من الكون أكبر وأوسع وأكثر تعقيدا.

لكن هذا لا يمنع من التفكر!

وحيث إنا بينا أن علماء الطبيعة، الذين لاحظوا أن ما يقارب من 95% من الكون لا يمكن تفسيره على وفق القوانين التي تفسر العالم المادي الذي نعرفه والذي نحن جزء منه، انتهوا بتقسيم هذا المجهول إلى قسمين واحد أسموه “المادة غير المنظورة (السوداء)” والثاني أسموه “الطاقة غير المنظورة (السوداء)”. والذي دفعهم لهذا التقسيم هو أنهم أرجعوا التأثير الذي يقع على الضوء عند مروره في المجرات إلى آثار غير منظورة فأسموها بالسوداء، ثم اكتشفوا توسع الكون والذي كان يجب أن يبدأ بالانكماش والتقلص بعد الانفجار الكبير فقضوا أن ذلك لا بد أن يكون مرده وجود طاقة سوداء تمكن الكون من التوسع خلافا لما اقتضته نظرية الانفجار بضرورة أن يعقبها انكماش بعد أن يبرد الكون.

وهذا حسب علمي هو الحال القائم الآن. وليس لي رأي في هذا أكثر من قبولي بما قاله علماء الطبيعة من أننا لا نعرف عن العالم غير المنظور المكون لـ 95% من الكون سوى آثاره. وحيث إني معني فقط بوجود هذا الكون غير المنظور وليس بحقيقة مكوناته المجهولة فإني سوف أكتفي في حديثي بعد الآن بالإشارة إليه على أنه العالم أو الكون “اللامرئي”، وأعني بهذا كل ما هو خارج عالمنا المادي المكون لـ 5% من الكون، فليست تعنيني حقيقة جوهر مكونات هذا اللامرئي وما إذا ما كان جزء منه مادة وجزء منه طاقة ما دامت حقيقته مجهولة. فقد يكون كله مادة غير منظورة وقد يكون كله طاقة غير منظورة، وأن الذي يمنعنا عن فهم تلك الحقائق المتعلقة بجوهر اللامرئي هو الحس المتوفر لدينا حاليا وأدوات التحري والكشف. وكما إن التفكر في المادة الطبيعية التي نعرفها بدأ بوضع الفرضيات ثم اتبع ذلك بحث أنتج نظريات مرت هي بمرحلة من الدرس والفحص والاختبار والقياس والتي ما أن ثبتت في اختبار الزمن لها حتى تحولت إلى قوانين الطبيعة التي نعرفها اليوم، فلا ضير من أن يقود التفكر في الكون اللامرئي إلى مقاربة مشابهة من وضع الفرضيات لتفسير العالم غير المحسوس أو اللامرئي.

وكما كان الحال في تطور فهم عالم الطبيعة للمادة المنظورة من افتراض اليونانيين أن الذرة جزء أصم لا يقبل التجزئة حتى انتهينا اليوم بالقول إن نواة الذرة هي في حقيقتها تتكون من جزئيات صغيرة وتلك بدورها تتكون من جزئيات أصغر إلى ما لا نهاية! فكذلك لا ضير إذا ما افترض أمر بالنسبة للامرئي ثم تبين لاحقا أن ذلك الافتراض ليس بالضرورة عين الحقيقة ما دامت تلك الفرضية تفسر بشكل مقبول حقيقة ما وقت وضعها. فقد سبق أن بينا أن تعريف اليونانيين للذرة لم يؤثر كثيرا على تطور فهم علماء الطبيعة لها.

وهكذا يمكننا الافتراض أن اللامرئي يتألف من عناصر مختلفة كما هو الحال في المادة الطبيعية المنظورة التي نعرفها فيكون الكون غير المحسوس حولنا يتألف كذلك من مكونات عديدة ومختلفة تأتلف وتختلف وتتفاعل ما بينها كما يحدث في عالم الطبيعة المنظورة حولنا إلا أننا لا نشهد ذلك في اللامرئي ونشهده في عالمنا المنظور.

ومن تدبر آياته تعالى في القرآن التي جاءت في وصف النفس لأمكنه أن يفترض نتيجة مفادها أنه تعالى خلق النفس مما أسماه علماء الطبيعة “المادة غير المنظورة” فيكون ما يحل في الجسد بعد نفخ الروح فيه هو اللامرئي الذي يتخلل مادة الجسد دون أن يعترضها كما تمر الكف السوداء خلال المائدة. 

فلو قلنا إنه تعالى أوجد النفس من اللامرئي لأمكن تصور تخللها للمادة الطبيعية في الجسم لأن تلك هي صفة المادة غير المنظورة كما استخلص علماء الطبيعة. وهكذا يمكننا فهم قوله تعالى: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”، حيث إنه تعالى في خلق كل نفس أخذ من اللامرئي شيئا فأخرج النفس المختبرة والمخيرة. فإذا صلح عمل الإنسان فهو يزيل عنها ما أظلم منها ليسود ما تنور منها فيكون قد زكاها وإذا فعل عكس ذلك سادت الظلمات في النفس فيكون قد دساها. وبرغم أن العلاقة داخل النفس بين الخير والشر ليست بهذه البساطة إلا أنها تكفي لتفسير جوهر النفس المختبرة.

وقد اختلط على عدد من متدبري القرآن عند قراءة وصفه تعالى للنفس، فقالوا إنه تعالى خلق أنواعاً من النفس واستدلوا على ذلك بآيات من الكتاب الكريم. وقد استوقفني حديث لأحدهم سمعته مؤخرا مفاده أن شيخ الصوفية محي الدين بن عربي قال بأن هناك سبعة أنواع من النفس واستطرد في حديث طويل حول أنواعها مستشهدا في عدد منها بآيات من القرآن. لكن صاحب الحديث لم يكن أمينا حيث إنه أوحى بأن ما كان يقوله منقول عن ابن عربي حينما كانت الأمانة تقضي أن يقول بإن ذلك كان فهمه لما كتبه ابن عربي حيث إنه لم يذكر من أي من كتابات ابن عربي، وهي عديدة، استقى المتحدث ما قاله. 

وقد استشهد صاحب الحديث كما استشهد غيره ممن قالوا بتعدد أنواع النفس بعدد من الآيات. كقوله تعالى: “يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ” على أن هناك نفس مطمئنة تختلف عن غيرها وقوله تعالى: “وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ” على أن هناك نفسا لوامة تختلف عن غيرها، وقوله تعالى: “وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ”، على وجود نفس أمارة بالسوء ليست لوامة ولا مطمئنة وهكذا. لكني أرى هذه وغيرها من صفات النفس الواحدة في القرآن هي حالات تتعرض لها النفس الواحدة في سيرها في عالم الابتلاء والاختبار والتمحيص والعذاب، كما سأكتب عنه لاحقاً.

وللحديث صلة……

عبد الحق العاني

www.haqalani.com

20 نيسان 2026

اترك تعليقاً