الاستعمال الخاطئ للفعل نوّهَ
انتبهت قبل أيام لأحد المذيعين في إحدى قنوات التلفزة وهو يقطع الخبر الذي كان ينقله ليقول: “ينبغي أن ننوه هنا بالخبر التالي……”. وقد يكون ذلك المذيع المعتد كثيرا بنفسه، معذورا لأن هذا حال الإعلام العربي الذي توسع بفعل المال دون وجود رجال حتى أصبح ينطبق عليه المثل العراقي المعروف: “من قلة الخيل شدوا على الكلاب سروج”!
لكن الأمر ليس مقبولا حين يخطئ من يحاول أن يقوّم لسان الناس. فقد قرأت اليوم للمترجمة ليلى الفرا من الجامعة الإسلامية في غزة تعليقا أعدته تحت سلسلة أسمتها (قل ولا تقل) تيمنا بالسلسة التي أخرجها العالم الكبير الدكتور مصطفى جواد، فكتبت في المقدمة:
“في هذه السلسلة سأنوه كل يوم عن خطأ من الأخطاء الشائعة……..”
فلا المذيع أصاب ولا المترجمة نفعت. فالمذيع أراد أن يقول “نذكر” والمترجمة أرادت أن تقول “أصحح”. وكلاهما أخطأ في استعمال الفعل “نَوَّه”، حيث إن اللغة العربية الثرية بمفرداتها تغار عليها كذلك. ومن غيرتها أنها أعطت كل مفردة معنى خاص بها فحتى إذا أمكن تطابق في المعنى بين كلمتين كان لكل منهما طعم مستقل وأثر مختلف. ومن لم يدرك هذا فلا شأن له بلغة العرب! فلا يعظ الناس بها ولا يحاول أن يصحح أخطاءهم.
فلم يرد عن العرب أن “نَوَّه” تعني غير شيء واحد. فقد عودنا ابن فارس في مقاييس اللغة أن يأتي بكل ما سُمع عن العرب من استعمال للجذر الواحد. وهذا ما كتبه ابن فارس في باب نوّه:
“النون والواو والهاء كلمةٌ تدلُّ على سُموٍّ وارتفاع. وناه النَّبات: ارتفع. وناهَت النّاقةُ: رفعَتْ رأسَها وصاحت. ومنه نُهْتُ بالشَّيء ونوَّهتُ: رفعت ذِكْرَه. ويقولون: ناهَتْ نَفْسُه: قوِيَتْ.”
وتوسع عبد الهادي بوطالب في تفصيل ذلك فكتب: “الفعل المجرد من هذه المادة هو نَاهَ يَنُوه نَوْها إذا ارتفع نقول: “ناهَ النباتُ أو الجدارُ” إذا ارتفع. ونوَّه على وزن فَعَّل يتبعه حرف الباء فنقول: “نوَّهَ بفلان” أي رفع ذكرَه. كما نقول: “أَشادَ به” ونقول: “نوَّهت لجنة الامتحان بأطروحة الطالب وأعطته نقطة جيدة استحق بها الدكتوراه”. لكن البعض يستعمل نَوَّه ومشتقاته في معنى ذَكَر أو أعلن ويُتبِعه بحرف عنه: فيقول: “الموضوع الذي نوَّهنا عنه فيما سبق” وهذا خطأ.”
فالتنويه هو رفع قدر أو ذكر وليس الإعلان ولا التذكير ولا الإخبار ولا التبليغ.
وأما بنعمة ربك فحدث.
عبد الحق العاني
1 أب 2026