لماذا الخَلقُ، وكيف؟ – 17

من هو آدم في القرآن؟

إن كلمة آدم تأتي في القرآن في أكثر من آية، لكنها لا تعني الشيء نفسه في كل موضع. وقد ترتب على هذا الالتباس في الاعتقاد بأن الكلمة تعني الشيء نفسه في كل آيات القرآن تشويش كبير فعجز الذين تصدوا للتفسير في التوفيق بين آدم الذي أسجد تعالى له الملائكة وآدم الذي عصى.

وكلمة آدم مشتقة من الأَدَمَةُ وهي باطنُ الجلْد الذي يَلي اللحم والبَشَرةُ ظاهرها. واختُلف في اشتِقاق اسم آدَم فقال بعضهم: سُمِّيَ آدَم لأَنه خُلِق من أَدَمةِ الأَرض، وقال بعضهم: لأُدْمةٍ جعلَها الله تعالى فيه، وقال الجوهري: آدَمُ أَصله بهمزتين لأَنه أَفْعَل، إِلا أَنهم لَيَّنُوا الثانية، فإِذا احتَجْت إِلى تحريكها جعلتها واواً وقلت أَوادِم في الجمع، لأَنه ليس لها أَصل في الياء معروف، فَجُعِلَ الغالبُ عليها الواو؛ عن الأَخفش؛ قال ابن بري: كل أَلِف مجهولة لا يُعْرَف عَمَّاذا انْقِلابُها، وكانت عن همزة بعد همزة يدعو أَمْرٌ إِلى تحريكها، فإِنها تبدَل واواً حملاً على ضَوارب وضُوَيْرب، فهذا  حكمُها في كلام العرب إِلا أَن تكون طَرفاً رابعةً فحينئذ تبدل ياءً؛ وقال الزجاج يقول أهل اللغة في آدم إن اشتقاقه من أديم الأرض لأنه خلق من تراب ، وكذلك الأُدْمةُ إِنَّما هي مُشَبَّهة بلَوْن التُّراب. (لسان العرب)

وهكذا يكون كل من خلق من أديم الأرض آدم، وهذه الصفة ليست مختصة بأرضنا فلو خلق تعالى من أديم المريخ بشراً لسمي ذلك المخلوق آدم بالعربية.

فحين قال تعالى للملائكة، وهم الذين سبق وبينت أنهم المؤمنون من عوالم الجن والإنس قبل خلق آدم الذين صفوا في إيمانهم فانتقلوا الى عالم المادة غير المنظورة التي تنتشر في الأرض والسماء ولا نحس بها، فإنه تعالى أمرهم بالسجود لأول خلق من الأديم على هذه الأرض وذلك بعد أن تجلى تعالى بروحه في ذلك الأديم. وحقيقة ذلك (التجلي الروحي) هي التي أرادها رسولنا الأكرم (ص) في قوله (إن الله خلق آدم على صورته). وهذا (التجلي الروحي) يختلف عما سأله موسى (ص) عند حضوره لميقات الله حين سأل: “وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ”، ذلك أن موسى (ص) طلب (التجلي النوري) وهو ممتنع لأنه إذا وقع لا يمكن للمادة المنظورة أن تتحمله فتندك كما اندك الجبل حين خر موسى (ص) صعقاً. وما كشف لموسى (ص) كما قال أمير المؤمنين، من باب التمثيل، (سوى شقص من شقص من ذر المثقال).

وآدم هذا، الذي كرمه تعالى بأن نفخ فيه من روحه وأمر جميع ملائكته بالسجود له وعاقب إبليس حين عصى بالطرد من الجنة، هو ليس آدم النبي الذي تتحدث عنه التوراة وينسب التراث الإسلامي نبينا الأكرم (ص) إليه. فآدم الذي أسجد تعالى الملائكة له خلق في وقت قديم لا نعرف عنه شيئا. أما النبي الذي أسماه تعالى أدم في قوله: “إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ” فهو أحد الأنبياء الذين أرسلهم تعالى الى منطقتنا وليس لكل البشرية كما يعتقد اليهود وكثير من المسلمين الغافلين. ويمكن تقدير حساب تأريخ نبوته بحساب الأجيال المقاربة للأربعين بين آدم ورسولنا (ص) وهي في أقصى حال لا تتجاوز عشرات من آلاف السنين والتي لا تقاس بقدم خلق آدم الأول.

وهذا الخلط بين آدم الأول الذي أسجد تعالى له الملائكة في القدم ونبينا آدم (ص) هو الذي أوقع الفقهاء في مأزق كبير حين قادهم للتخبط فانتهوا بالقول إن عمر الخلق لا يتجاوز بضع آلاف من السنين وهو القول الذي استخف به علماء الطبيعة بحق. فلو أدرك الفقهاء هذا الخلط بين آدم الأول وآدم النبي لما قالوا ما قالوه. ولربما كانوا قد انتهوا بالقول بأننا قد نعرف شيئا عن تاريخ نبينا آدم لكننا لا نعرف شيئا عن آدم الأول ولا ندري ما إذا كان (التجلي الروحي) الواقع في آدم الأول واقع كذلك في نبينا آدم!

وقد اتبع فقهاء المسلمين قصص اليهود المختلقة في الحديث عما عدوه ذرية آدم الأول. فمن ذلك على سبيل المثال أنهم قالوا إن أبناء آدم الأول كانوا يتزاوجون ما بينهم! وهذا القول ممتنع لمخالفته أمر الله ولتناقضه مع علم الطبيعة الذي فطر تعالى الكون عليه. ذلك أنه تعالى حرم زواج الأخ من أخته في قوله عز من قائل: “حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ الَّلاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ الَّلاتِي فِي حُجُورِكُم…” وهذا التحريم قائم ما دامت السموات والأرض وليس فيه استثناء. كما إن علم الطبيعة يثبت لنا إنه لو وقع زواج ما بين أبناء آدم لأنقرض الجنس البشري منذ نشأته.

وغاب عن المفسرين فهم آيات القرآن حيث يخبرنا تعالى عن معصية آدم وطرده من الجنة في قوله تعالى: “فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ”. ومن تدبر القرآن جيدا وأدرك أنه تعالى لا يأتي بكلمة إلا لعلة وأن انتقاله تعالى من استعمال فعل المثنى في قوله (فأخرجهما) إلى استعمال فعل الجمع في قوله (اهبطوا)، إنما أراد سبحانه أن تقع الهبطة لجمع من الخلق وليس لاثنين منهما كما قال المفسرون في أنها وقعت على آدم وزوجه. فلو كان ذلك المقصود من الهبطة لجاء بفعل المثنى (اهبطا).

فيكون تعالى أوضح لنا أنه أراد أن الهبطة وقعت لجنس كامل وليس لإثنين من ذلك الجنس.

إن هذا التدبر المتتابع للآيات التي أخبرنا فيها تعالى عن آدم وخلقه ومعصيته يقودنا للاستنتاج التالي:

1.  إن آدم اسم جنس لكل من خلق من الأديم، فهو يقع على آدم الأول وهو اسم نبي منطقتنا وهو يقع على كل آدم وجد أو سيوجد،

2.  إنه تعالى خلق آدم الأول وزوجه في زمن لا نعرفه،

3.  إنه تعالى خلق بعد ذلك خلقا كبيرا من الأوادم “يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.” فكان آدم الجنس،

4.  إنه تعالى أمر آدم الأول وزوجه بعدم اتباع إبليس وحذرهما من نتائج ذلك،

5.  إن أمره تعالى لآدم الأول وزوجه بعدم اتباع إبليس وقع على آدم الجنس كله،

6.   إننا لا نعرف كيف عصى آدم الجنس وما هي المعصية، سوى إعلامه تعالى إيانا بأن آدم سقط في إغواء الشيطان،

7.  إننا لا نعرف ما إذا كانت تلك المعصية مادية أم حسية،

8.  إننا لا نعرف كثيرا أين وقعت تلك المعصية. وحيث إنه لا بد أنها وقعت فلا شك أنها وقعت في مكان ما،

9.  إن العقل يقضي، في غياب النص القرآني، على أن المعصية وقعت في الأرض حتى وإن كان تعالى يخبرنا بأن الهبطة وقعت من الجنة إلى الأرض. ذلك لأن الأرض جزء من الجنة لقوله تعالى “وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء”.

10.                إن الهبطة هي انتقال من حال إلى حال وليست انتقالا من مكان لآخر،

11.                إنه تعالى تاب على آدم الجنس بعد أن عصى “فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ”.

12.                إنه تعالى منح آدم الجنس بعد توبته فرصة اختبار لينجو من العذاب المترتب على المعصية وخيره أن يسلك طريق الإيمان والعمل الصالح أو طريق الكفر والشر “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”.

وللحديث صلة……

عبد الحق العاني

www.haqalani.com

14 آذار 2026

اترك تعليقاً