كيف بدأ خلق آدم؟
كنت قد كتبت أن هناك خلافاً بين ما يراه علماء الطبيعة وبين ما يراه القرآن في أمر خلق الإنسان أو الخلق بشكل عام. وقد أوجزت في الجزء السابق في عرض رأي علماء الطبيعة حول نظرية التطور في خلق الحياة عامة والإنسان خاصة.
فكيف يحدثنا تعالى في القرآن عن الخلق!
لا شك أن قوله تعالى: “اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ” ليست ردا على نظرية التطور القائلة بأن الكيمياء الحيوية هي التي أنتجت الإنسان حيث إن دارون لم يعترض على خلق الحياة بل على الطريقة التي تطور فيها الخلق.
لكن الخلاف أعمق من ذلك بكثير.
يصف تعالى نفسه في القرآن قائلا: “اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ” و “بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ” و “صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ”، وفي أيات عديدة صفات تدل على الكمال، وإن كانت الكلمة ذاتها لم ترد في القرآن. وهذا الكمال الذي أتقن كل شيء لا بد أنه عندما أوجد الكون إنما أوجده كاملا. لإنه بخلاف ذلك أي إذا كان ما أوجده يتطور فإن موجده يكون كمن يتعلم الصنعة وهذا يناقض الكمال الذي لا يمكن له أن يتعلم بعد أن كان كاملا. وهذا أول رد قرآني على نظرية التطور التي قال بها علماء الأحياء.
إن نظرية “التطور” عجزت كما أسلفت عن تفسير نشأة الحياة من خليط مواد كيميائية مكتفية بالقول إنها لا بد وقد وجدت قبل بدأ التطور. كما أنها عجزت عن الرد على تناقض مفهوم التطور مع القانون الثاني لديناميك الحرارة في القول بأن الخلية الواحدة الحية تطورت لتنتج الإنسان العاقل المبدع خلافا لما يقوله القانون الثاني في أن كل نظام يترك لوحده يستقر عشوائيا في فوضى وليس في نظام.
ويرد التأويل القرآني على الفشلين كما يلي.
حيث يخبرنا القرآن أنه تعالى: “اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ” و “وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا”. فحين وصف نفسه بأنه الحي القيوم الذي لا يموت فقد تميز عن كل حي غيره لا بد أن يموت “إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ”. وحيث إنه كذلك فهو حياة دائمة مطلقة. وليس عسيرا على العقل تصور خروج حياة عن تلك الحياة الدائمة المطلقة لتحل في أي من المخلوقات الحية في سلسلة الخلق حين خرج عالم الشهادة. وحين أعطى تعالى إشارة في الكتاب لحلول الحياة في مثال من مخلوقاته قال عز من قائل: “وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاء قَدِيرٌ”، ليعلمنا أن كل خلق في السلسلة خُلقَ كاملا كما شاء له أن يكون ولم ينتج أحد عن تطور الآخر. وكان الإنسان أكرم ذلك الخلق حيث كرمه بظهوره في صورته.
قد يجد عالم الأحياء ما يطعن به على التأويل القرآني بأن الحياة خرجت عنه “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ” في كونه فرضية لا تقوم على قاعدة علمية حسب تصوره. لكن رد القرآن في التطابق مع القانون الثاني أمتن من تأويل علماء الأحياء لسبب عدم تطابق نظريتهم معه. ذلك أن خروج الحياة في شكل كامل عن الخالق الكامل يتطابق مع القانون الثاني في أن ذلك الخلق إذا ترك لوحده استقر في خلق عشوائي أقل كمالا من الأول. وهو ما عجزت نظرية التطور القائلة بأن الحياة التي نعرفها خرجت عن “الأميبا” التي تطورت بشكل عشوائي في حين كان يجب أن تنحط بشكل عشوائي.
وأكثر ما عانيت في حياتي هي أني وجدت علماء الطبيعة والأحياء، وأكثرهم أذكياء حقا، وجدتهم عاجزين عن قبول فرضية وجود مسبب ذكي لهذا الكون المعقد والمتقن. فحتى أولئك الذين يحذرون من القول بوجود الله خوفا من استصغار أقرانهم من الماديين لهم، لم ينتهوا إلى قبول فرضية أن موجد هذا الكون ذكاء متقن ومحكم وبهذا يبدو قبول هذا أكثر عقلانية من القول إن الحياة التي نعرفها اليوم بدأت من خلية كيميائية لا تمتلك أي ذكاء!
إن إيجاد الله للحياة في القرآن يعطي نظرية مخالفة لنظرية التطور التي قبلها علماء الأحياء بعد أن أجملها دارون. حيث يقضي العقل بأن الخلق الكامل لا يمكن أن يتطور إذا ترك لحاله بل إنه سوف يستقر عشوائيا أي بمعنى آخر لا يمكن أن يأتي بعده سوى “انحطاط” في الخلق فتكون النظرية القرآنية في الخلق “نظرية انحطاط” وليس “نظرية تطور”. وفي القرآن شواهد عدة تؤكد هذا الاستنتاج سوف آتي على شيء منها حين أكتب عن علاقة خلق الإنسان بالحيوان. وأكتفي هنا بذكر آية واحدة في قوله تعالى:”وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ”. فكانوا كذلك. وليس عسيرا تصور وقوع هذا المسخ ذلك أن علماء الأحياء يقولون إن أقرب مخلوق للإنسان في جيناته هو القرد وهذا ما يعزز نظريتهم في أن الإنسان تطور عن قرد. كذلك النظرية القرآنية في “الانحطاط” تبني على هذا القرب في الخلق لكنها تفسره على أن القرد هو انحطاط الإنسان وليس أصل تطوره. ويمكن لنظرية “الانحطاط” أن تأتي بسلسلة للحياة من الإنسان الكامل حتى الأميبا تماما كما فعلت نظرية التطور في وضع سلسلة كثيرة الثغرات لتطور الخلية الواحدة إلى الإنسان الكامل. وقد وصف القرآن الخلق الكامل والانحطاط في قوله عز من قائل: “لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ” وهكذا يكون خلق الإنسان كاملا ثم يأتي بعده الانحطاط في درجات، إذا شاء كما كان الحال في الذين عصوا من بني إسرائيل فانحطوا لصورة القردة، والذي يمكن أن يهبط درجة بعد أخرى حتى أسفل سافلين!
ويمكن تلخيص الموازنة بين رأي علماء الطبيعة ورأي القرآن بما يلي:
يقول علماء الطبيعة الذين يعتقدون بنظرية التطور إن الخلق قائم على الارتقاء من عالم بسيط الى عالم معقد دون أن يعطوا تصورا عن كيفية ابتدأت الحياة من خليط كيميائي لا يمتلك أي ذكاء. وهذا الافتراض وحده مناقض للحقيقة العلمية التي يقرونها والمبنية على القانون الثاني لديناميك الحرارة القاضي بضرورة الانحطاط عند استقرار أي نظام.
وعجز علماء الطبيعة أولاء عن تفسير كيف يمكن أن ينبثق العقل البشري المبدع والوعي والفلسفة والأخلاق عن كيان لا يمتلك ذرة إدراك؟
ولعل مما يغيب عن أذهان أولاء الذين لم يفهموا بعمق طريقة التطور الحيوي وهم معذورون هو أن القائلين بنظرية التطور يقولون إن الأنظمة الحيوية تتطور تدريجيا مما يتفق مع القول بالتطور. لكن الملاحظة العلمية للأنظمة الحيوية تقول بخلاف ذلك. فالأنظمة الحيوية في الأغلب تعمل كوحدات متكاملة، وهي لا تقبل التجزئة الوظيفية أي لا يمكن تقسيم عمل كل جزء ببساطة لتداخل عملها كمجموعة. وهكذا فإن المنظومة تفشل كلها إذا غاب جزء منها. فكيف يمكن والحال هذا أن يتم الحديث عن تطور أي جزء بمعزل عن الأجزاء الأخرى. إن هذا الحقائق تتطابق مع القول بأن النظام صمم دفعة واحدة ثم بدأ بالانحطاط وليس من جزء واحد بسيط تطور في معزل الى النظام المعقد القائم أمامنا.
ويقابل ذلك نظرية الانحطاط التي نتجت عن تأويل القرآن والتي تجد لها قبولا محدودا بين عدد من علماء الطبيعة، والتي تقول بأن الشواهد والأدلة تقود للقول بأن الكون وجد حيا كاملا ثم بدا بالاستقرار العشوائي في انحطاط من كامل إلى أسفل كما يقول القانون الثاني بانه يجب أن يحدث لكل نظام في الكون.
إن نظرية الانحطاط تلك تقول بان الخلق وجد كاملا من مسبب كامل متقن في عمله وحي وكامل الذكاء. وحيث إن العلة التي أوجدت هذا الكون كانت حية وتامة الذكاء والوعي فليس غريبا أن يكون الخلق حيا وذكيا ومبدعا.
كما أن نظرية الانحطاط تلك تتوافق مع القانون الثاني في أن الكامل ينحط لما هو أسفل وهو ما يحدث حين ينحدر الإنسان الى درجة الحيوان في الخلق فينقص في الشكل والذكاء حتى يصبح خلية كيميائية دون أي ذكاء أو وعي.
وللحديث صلة……
عبد الحق العاني
www.haqalani.com
16 شباط 2026