الصراع الإيراني الصهيوني على العراق – 10

(كنت قد كتبت عددا من المقالات تحت هذا العنوان في الفترة بين 2019 و2024 وتوقفت في 6 نيسان 2024 بانتظار المرحلة التالية من الهجوم الصهيوني المتكرر على منطقتنا. فمن أراد الاطلاع عليها وجدها على مدونتي. لكني اليوم أكتب لأن ما يحدث أكثر خطورة من أي حدث منذ بداية هذا القرن)

كنت قد انتهيت في الجزء السابق الذي نشرت في 6 نيسان 2024 بما يلي:

“إني أعتقد أن إسرائيل سوف لن تتوقف عن محاولة جر إيران لمواجهة عسكرية شاملة فاذا لم تنجح في ضربتها الأخيرة فسوف تحاول مرة أخرى بتصعيد قد يطال أرضا إيرانية مباشرة.”

وكان الذي توقعت، حيث إن إيران جرت لحرب قصيرة قامت فيها الصهيونية بضرب مواقع البحث النووي وتخصيب اليورانيوم واستمرت 12 يوما وتوقفت يوم 24 حزيران 2025 بناء على طلب صهيوني وضغط دولي لم تكن فيه إيران تمتلك الإرادة السياسية وربما العسكرية للاستمرار في القتال.

لكن إيران تعلمت من ذلك العدوان عدة دروس منها أنها تيقنت أن الصدق هو آخر فضيلة تمتلكها الصهيونية. كما اكتشفت إيران من العدوان عليها مواضع الخلل في دفاعاتها، ولست أعرف يقينا أنها تمكنت من سد ذلك الخلل وإن كان عدد من مسؤوليها يقولون ذلك. كما تيقنت إيران في حرب الأيام الإثني عشر أن الصهيونية تمسك بالعالم العربي كله.

لم أكتب يومها لأني كنت أنتظر إتمام خطة العدوان التي أوقفتها الصهيونية لأسباب ما زالت مجهولة. ثم جاءت التتمة وهو ما يحدث اليوم.

حيث إنه في اليوم الثاني لإعلان الصهيونية أنها توشك أن توقع اتفاقا حول مستقبل مشروع إيران النووي بعد تقديم الأخيرة لتنازلات لم يكن أحد يتوقعها، في ذلك اليوم قامت الصهيونية بهجمة واسعة استهدفت الرئيس الديني لإيران مع مجموعة من الخط الأول من القادة السياسيين والعسكريين كجزء من عملية معدة مسبقة مما يثبت أن عملية التفاوض لم تكن سوى خداع وتضليل.

ولم يختلف حال هذا العدوان عن ذلك الذي سبقه في 13 حزيران 2025 حيث تمكنت إيران من امتصاص قسوة الضربة التي أودت بالقائد ومن معه وأثبتت، كما كتبت في الأجزاء السابقة من هذا المسلسل، أنها دولة مؤسسات حقيقية وليست دولة رجل واحد تسقط بسقوطه كما اعتقد الصهاينة الأغبياء والذين يعميهم شعورهم البائس بالتفوق الفكري عن فهم حقائق التاريخ، وأنى لهم أن يفهموا ذلك إذا كان قائدهم من أمثال المجرم مغتصب الأطفال، وكان كل الذين حوله من “شعب أبستين”!

فالحرب دائرة إذ اكتب هذا، وليس لي أن أعلق عليها ولا أدعي أني أعرف ما الذي ستؤول إليه. لكني سأكتب عن الجزء المتعلق بالصراع على العراق حيث انتقل جزء منه الى الصراع في العراق. فقد وجدت إيران نفسها وهي تواجه إحدى أشد الحقائق قسوة عليها ألا وهي إن العدوان الذي وقع على العراق عام 2003 والذي هللت له إيران ودفعت أجراءها من العراقيين لدعم الغزو والاحتلال والمشاركة فيه، وجدت إيران أنها تواجه عدوانا مماثلا من الصهيونية نفسها التي غزت العراق. فليس هناك اختلاف في الهدف أو الأسلوب أو الأداة.

  • فكما ادعت الصهيونية عام 2003 أنها بصدد نزع أسلحة الدمار الشامل في العراق فإنها ادعت أنها اعتدت على إيران عام 2026 لمنعها من امتلاك سلاح نووي في الوقت الذي تمتلك الصهيونية نفسها أكبر خزين من ذلك السلاح.
  • وكما ادعت الصهيونية عام 2003 أن العراق كان على وشك الهجوم عليها فإنها ادعت أن إيران كانت على وشك العدوان عليها في 2026.
  • وكما بدأ غزو العراق عام 2003 بمحاولة قتل الرئيس العراقي صدام حسين وذلك بقصف مزرعة الدورة ومطعم الساعة في حي المنصور بعد فشل المحاولة الأولى فإنها، أي الصهيونية، بدأت العدوان على إيران في 2026 باغتيال السيد علي الخامنئي زعيمها السياسي والديني.
  • وكما كان غزو العراق عام 2003 لتغيير النظام بإسقاط حكم البعث فإن الهدف المعلن في العدوان على إيران عام 2026 هو لتغيير النظام.
  • وكما شارك حلف شمال الأطلسي في الغزو الصهيوني للعراق في 2003 فإن هناك مشاركة كاملة من حلف شمال الأطلسي في العدوان على إيران في 2026، وإن اختلفت أشكال المشاركة في بعض الأحيان.
  • وكما خرجت جيوش الغزو الصهيوني للعراق عام 2003 من أرض العرب فإن العدوان على إيران عام 2026 انطلق من القواعد الصهيونية في أرض العرب.
  • وكما غير غزو العراق الخريطة السياسية في المنطقة في إخراج العراق من الصراع العربي الصهيوني وهزيمة المشروع القومي الذي ترتب عليه سقوط ليبيا وسورية بيد الصهيونية كما سقط العراق، فإن العدوان على إيران كيفما سينتهي لا بد أنه سيغير الخريطة السياسية مجددا في المنطقة بل ربما سيكون له أثر ابعد في العلاقات الدولية خارج المنطقة.

أما الفرق بين غزو العراق وغزو إيران القادم فهو أن العراق لم يُهاجَم عام 2003 من إيران أما في عام 2026 فقد شارك العراق في العدوان على إيران حيث كانت أجواء العراق مشاركة بشكل فعال في عملية القصف الجوي كما إن القواعد الصهيونية المنتشرة في العراق كانت ضرورية للإقلاع والتموين. ولم تكن هذه مشاركة العراق الوحيدة والتي لم تختلف عن مشاركة جزيرة العرب ودول الخليج والأردن، إذ أن العراق كان في حقيقة الأمر أكثر خطورة على إيران وذلك للحدود البرية المشتركة التي تمكن أية قوة صهيونية أو من أجرائها من أعداء إيران من القوى المعادية من الفرس أو الأكراد، الموجودين في العراق بإعداد وتدريب صهيوني، من اختراق الحدود.

وهنا وجدت إيران نفسها وجها لوجه أمام الحقائق المرة التي لم تكن ترغب في مواجهتها أو كانت تتمنى ألا تضطر للتعامل معها. ومن هذه الحقائق:

  1. اكتشفت إيران أن حدودها البرية الغربية هي أخطر حدودها اليوم بسبب الوجود الصهيوني في العراق ليس على شكل القوات العسكرية والقواعد الجوية حسب بل في وجود أجهزة المخابرات الصهيونية على اختلاف مسمياتها وجنسياتها التي تعمل في العراق بكل حرية ليس فقط في التجسس والتغلغل وإنما في تجنيد خصومها وتدريبهم وإيوائهم في العراق واستعمالهم للهدم والتخريب والشغب متى لزم مشروعهم ذلك.
  • اكتشفت إيران أن العراقيين الذين أوتهم وأعدتهم أيام حكم البعث لخدمتها ليسوا حقيقة أعوانها إذ سرعان ما تبين أنهم في سوق العمالة مع كل مستأجر يمكن أن يؤمن لهم مصالحهم الشخصية التافهة، أي بعبارة أخرى إن حزب الدعوة والمجلس الأعلى وقوات بدر الذين احتضنتهم إيران هم جميعا أدوات صهيونية.
  • اضطرت إيران أن تبدو متناقضة في تعاملها مع العراق قياسا بتعاملها مع دول الخليج. ففي الوقت الذي تهدد مصالح دول الخليج التي ينطلق منها العدوان عليها فإن إيران تتحاشى أن تهدد العراق بالشكل نفسه برغم أن الخطر عليها من العراق لا يقل عن ذلك الآتي من الكويت أو البحرين أو الإمارات إن لم يكن أكبر.
  • تبين لإيران أن التزامها بالدفاع عن إقليم كردستان العراق، والذي أعادت التذكير به أكثر من مرة أثناء العدوان عليها في أنها كانت من أوائل الداعمين لاستقلال أكراد العراق أثناء حكم البعث، هو مناقض للأمن القومي الفارسي. ذلك إن دعم استقلال أكراد العراق لا يمكن أن يكون إلا محفزا لطموح أكراد إيران باستقلال مماثل. كما إنه أحد عوامل وجود الانفصاليين من أكراد إيران في العراق بحماية ودعم من أكراد العراق.
  • اكتشفت إيران حقيقة مرة قد لا تعترف بها أبدا ألا وهي أن أمنها القومي كان في حال أفضل أثناء حكم البعث في العراق منه أثناء حكم الإسلام الشيعي له. ذلك إنه من الصعب جدا أنه كان بإمكان الصهيونية أن يكون لها قواعد في العراق دون احتلاله. وقد يكون من العسير تصور حال يمكن فيه للموساد والمخابرات الأمريكية أن تسرح وتمرح على حدود العراق الشرقية. أي بعبارة موجزة فإن أي ضرر يلحق بالأمن القومي الفارسي أثناء حكم البعث يتلاشى إذا ما قيس بالضرر الذي لحقها منذ غزو العراق واحتلاله وتسلميه للصهاينة وأجرائهم.
  • إن ادعاء عدد من الصهاينة في العراق بأنهم ينأون بأنفسهم عن الصراع ضد الهجمات الصهيونية المستمرة في فلسطين ولبنان وسورية واليمن وإيران بحجج واهية لا تستند إلى أبسط قواعد الالتزام السياسي الذي يجب على كل دولة أن يكون لها، ذلك لأن العدو الصهيوني هو نفسه الذي أعلن مرارا أنه لا يوجد موقف محايد في هجومه على منطقتنا وهو الموقف الذي أعلنه جورج بوش وأكده آخرون ومنطوقه: (إذا لم تكن معنا فأنت مع العدو!).

والعدو الصهيوني، كما أوضحت مرارا، هو، ليس كما يقول المعتذرون بأنه يتمثل في إسرائيل والولايات المتحدة، بل هو واحد يتمثل في موقف سياسي وتجمع عسكري واقتصادي يضم كل حلف شمال الأطلسي وأية دولة عربية أو غير عربية فيها قواعد للصهيونية أو ترتبط مع الصهيونية بمعاهدات أمنية أو عسكرية.

فأي حاكم من حكام دول مجلس التعاون الخليجي (الصهيوني) يمنعني من زيارة أرض أجدادي في جزيرة العرب ويفتحها دون شرط لأي يهودي ملعون في القرآن، فهو، أي ذلك الحاكم، لا يقل صهيونية عن غولدا مائير وربما حان الوقت ليلتحق بها!

فما الذي أعتقد أن على إيران أن تفعله، وإن لم يكن لي أي سلطان في ما ستفعله، فهو ما سأكتب عنه في الجزء القادم.

فللحديث صلة

عبد الحق العاني

30 آذار 2026

اترك تعليقاً