كنت قد كتبت سابقاً أني لن أكتب عما سيؤول إليه العدوان الصهيوني على إيران ما دام قائماً، لكني أكتب اليوم حيث توقف العدوان بحجة المفاوضات الوهمية. وهذا يمكنني من الكتابة عما تبين حتى الآن من نتائج العدوان دون التكهن بما سيؤول إليه الأمر.
إلا أني قبل ذلك لا بد أن أذكّر أن الهدف من كتابتي هذه المقالات هو أني حين بدأت بها عام 2019 إنما كنت أود أن أبين فيها أن مستقبل العراق مرتهن بنتيجة الصراع بين إيران والصهيونية، وهو، أي العراق، لا دور له في تقرير مصيره ذلك لأن هذه الحقيقة أنتجها الغزو الصهيوني للعراق وتدخل إيران نتيجة ذلك للتحكم الجزئي بسياسة العراق كما فرضه واقع القوى السياسية في العراق عام 2003 والقدرات العسكرية المدربة في إيران والتي كانت متوفرة للاحتلال الصهيوني كي يشكل منها نواة الجيش وقوات الأمن التي تمكنه من إدارة العراق المحتل. وهي الحالة التي تبدو للمراقب وكأن هناك اتفاقا بين إيران والصهيونية على تقاسم حكم العراق وإن كان الحال أعقد من ذلك بكثير وقد كتبت رأيي في هذا من قبل ولن أعيده هنا مما يجعل التعامل معه ليس في هذا المقال.
لقد أثبتت العشرون عاما الماضية من الحكم السياسي الفاسد في العراق، كما يصفه الوطنيون الذين يعيشون في العراق، أن هذا النظام الذي استدام فقط لإرضائه إيران والصهيونية هو كذلك نظام فاسد متفرج سياسيا ومستهلك اقتصاديا وغير منتج في أي قطاع، يديره مجموعة من المنتفعين اللصوص الذين لا شأن لهم بالعراق ولا ما سيؤول إليه، مما يؤكد نظرتي التي أنشأت هذه المقالات من أجل توضيحها.
لما تقدم سأكتب عن أمرين، أولهما ما الذي أقترح أن على إيران أن تفعله سياسيا، وليس عسكريا، ليس من أجلها حسب وإنما من مصلحة كل المنطقة كما سيتضح، وثانيهما هو ماذا سيحل بالعراق.
ما هي نتائج العدوان حتى الآن؟
لا بد قبل عرض أي مقترح سياسي على إيران من ملاحظة قصيرة عما يمكن استخلاصه من عدوان الأربعين يوما ذلك أن تفصيل الدروس يأخذ عشرات الصفحات ولن يخدم الغاية من هذا المقال. وهي:
- إن إيران فاجأت نفسها بقدرتها الذاتية ووزنها العالمي، ذلك أنها منذ انتهاء حربها مع العراق عام 1988 وبنائها للدولة وقوتها لم تجرب أيا منها حتى اليوم حيث أدركت حقيقة أنها أقدر مما كانت تتوقع أن تكون عسكريا وسياسيا وقد وضح هذا الإدراك في اللغة الجديدة التي يستعملها “المعتدلون” من أمثال رئيس الجمهورية ووزير الخارجية.
- إن إيران كشفت حقيقة مهمة عن المقدرة القتالية للصهيونية. فبرغم أنها تمتلك سلاحا نوويا وطائرات قتال وقدرة لا شبيه لها في العالم إلا أنها في المواجهة الحقيقة في ساحة القتال لا تقدر على حسم أية معركة. وقد تبين شيء من هذه الحقيقة في غزو العراق عام 2003 والذي لم يمكن للعراق استثماره، إلا أنه تجلى بصدق في هزيمة معركة أصفهان الأخيرة والتي خسرتها الصهيونية في مواجهة قوة إيرانية صغيرة. ولكي نعرف حجم الهزيمة يجب أن نتذكر أن الصهيونية جاءت بكل خبراتها وقواتها الخاصة كي تضع يدها على اليورانيوم المخصب لكنها انتهت بخسارة أكبر عدد من الطائرات في يوم واحد منذ حرب فيتنام في سبعينيات القرن الماضي!
- كشف العدوان الصهيوني على إيران حقيقة الاختلاف الجوهري بين المعارضة الوطنية الإيرانية والمعارضة الوطنية العربية. ذلك أن المعارضة الوطنية الإيرانية، برغم اختلافها مع النظام الحاكم في طهران، فعلت في عام 2026 ما فعلته في عام 1980 في الالتفاف حول النظام والدفاع عنه حين تعرض لغزو خارجي. أما المعارضة العربية التي تدعي الوطنية فقد شاركت مع الصهيونية في غزوها وتخريبها لأرض العرب كما حدث في العراق وليبيا وسورية. ولم يكن هذا الاختلاف بسبب أن النظم في العراق وليبيا وسورية كانت أكثر ظلما من النظام الإيراني وإنما لأن المتعلم العربي غير منتم ورخيص إذا ما قيس بالمتعلم الفارسي!
فما هو المقترح السياسي؟
لست أدعي أني خبير في الشأن العسكري ولا في خطط السوق للمعارك والتي هي في كل حال بيد من يدير المعركة، كما أني لا أعرف كيف ستنتهي الحرب حتى أقترح على إيران، مهما كانت قيمة أرائي، ما يجب أن تفعله في ساحة القتال.
إلا أني مع ذلك أعتقد يقينا أنه في حالة عدم استعمال الصهيونية لسلاح نووي مدمر يجبر إيران على الاستسلام فإن إيران لن تنتهي كدولة وإن العدوان سوف يتوقف ليحسم في شكل مفاوضات تحدد أطرها النتائج السياسية والاقتصادية التي ولدت عن العدوان.
ولدي مقترح واحد يضع القوى الكبرى أمام مسؤولية كبيرة تقود لكشف حقيقة ما تريده الصهيونية لمنطقتنا وأين يقف الآخرون من هذه الحقيقة، وتعري النفاق السياسي الذي ساد منذ الحرب العالمية الثانية في تعامل الكبار معنا من خلال الكلام الفارغ الذي لا يكلفهم شيئا في عالم خلق الحقائق على الأرض.
فقد أنتجت الصهيونية أسلحة الدمار الشامل واستعملتها في حروبها منذ قرون في السلاح الكيماوي حتى القرن العشرين في السلاح النووي. ثم قررت الصهيونية أنها وحدها التي يحق لها أن تمتلك تلك الأسلحة فأبدعت في سبيل ضمان ذلك معاهدات تثبت لها ذلك الحق وتمنع الآخرين عن امتلاك تلك الأسلحة.
وحتى لا نتوسع في الحديث فنخرج عن موضوعنا نحصر الحديث في السلاح النووي الذي تم تبني معاهدة حظر انتشاره (المعاهدة 1970) والتي أجزم أن أكثر الذين يتحدثون عنها، من معلقين و “خبراء” ومحاورين في شتى وسائل الإعلام، لم يقرؤوها. وهذه المعاهدة شأنها في ذلك شأن أية معاهدة تدخلها الدول طوعا وتنسحب منها طوعا حيث لا يوجد في القانون الذي اتفقت عليه الدول قهر في التصديق على المعاهدات. وكان من أول ما ادعت المعاهدة أنها تسعى له هو نزع السلاح النووي في العالم لكن الذي حدث هو أن الصهيونية وسّعت خزينها منه ودمرت كل من حاول امتلاكه، كما حدث في العراق وليبيا. وقد أنشأت المعاهدة وكالة تشرف على ضمان تنفيذ المعاهدة (الوكالة) وأمَّنت أن تكون تلك الوكالة بيدها من خلال مجلس الأمناء الذي تختاره هي.
وصادقت إيران كما صادقت الحكومات العربية على (المعاهدة) لأسباب ما زالت مجهولة بالنسبة لي، كما أوضحت سابقا، وامتنعت كل من الهند وباكستان وإسرائيل وجنوب أفريقيا عن التصديق وانتهت كل منها بسلاح نووي دون حرب أو تهديد أو حصار أو صخب.
وخضعت إيران لإشراف الوكالة على برنامجها النووي للتأكد من سلميته وعدم انتقاله لإنتاج سلاح نووي. وأكدت الوكالة في المراحل الأولى أن البرنامج النووي الإيراني سلمي من حيث عدم وجود مؤشر على أي خطوة تشير لخلاف ذلك.
وحين رفعت إيران من نسبة التخصيب بحجة الحاجة العلمية لذلك فإن الصهيونية ادعت أن ذلك التخصيب العالي مؤشر على النية في إنتاج سلاح نووي برغم تأكيد الوكالة عدم وجود دليل عملي على ذلك. وحيث إن (المعاهدة) ليست واضحة في تحديد نسب التخفيض التي تعد مؤشرا على الانتقال من السلمي للحربي فإن الصهيونية استغلت هذا الخلاف وأحالت الموضوع لمجلس الأمن والذي قرر، بموافقة الخمسة الدائمين، فرض عقوبات على إيران. ثم طلعت الصهيونية ببدعة (خمسة زائد واحد) والتي لم أفهم حتى اليوم كيف أقحمت ألمانيا في هذا التركيبة وهي ليست من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن وليست قوة نووية بل هي في واقع الحال أكبر دولة في أوربا تحتلها الصهيونية منذ الحرب العالمية الثانية! فكانت اتفاقية عام 2015.
لكن الصهيونية قررت الانسحاب من تلك الاتفاقية وأصرت على أنها لن تقبل بأقل من منع إيران من التخصيب بالكامل خلافا لما تنص عليه (المعاهدة)، وقامت بعدوانين في سبيل ذلك. وما زالت تعد ذلك مطلبا أساسا لضمان عدم امتلاك إيران لسلاح نووي. ولم ينفع تأكيد إيران ذلك وإشارتها للفتوى الدينية بتحريم السلاح النووي عندها.
إن الحديث عن أن النزاع الحقيقي هو حول مضيق هرمز والتحكم فيه ليس صحيحا إذ أن الصراع كان وسيبقى حول امتلاك إيران لتقنية نووية لا تسمح الصهيونية أن يمتلكها أحد ليس في ركابها.
إن أمام إيران خيار سياسي وقانوني لا ضرر من اتباعه بل قد يكون هو لإلقاء الحجة وكشف الحقائق. وهو أن تتقدم إيران بمقترح لمجلس الأمن الدولي يدعو لإصدار قرار بتحويل منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا الممتدة من حدود باكستان حتى المحيط الأطلسي إلى منطقة خالية من السلاح النووي، تخضع جميعها لقواعد واحدة من التفتيش لمنع قيام أي نشاط نووي مخالف.
إن مقترحا كهذا أمام مجلس الأمن عقلاني لأنه يسلب أية دولة حجة الادعاء بأنها تبحث عن سلاح نووي لتأمين نفسها من خطر نووي قريب. ولا يمكن لأية دولة خارج المنطقة أن تعده مقترحا غير مرحب به، كما أنه يشابه ما حدث في أكثر من منطقة في العالم.
وهنا سوف يقع الاختبار الكبير لحقيقة موقف كل دولة من الكبار في مجلس الأمن فحين يكون رفض الولايات المتحدة للمقترح لأنها لا تريد نزع سلاح إسرائيل النووي فإن كلا من فرنسا وبريطانيا واللتين مكنتا إسرائيل من إنتاج سلاحها النووي سيكون أمام امتحان صعب لتسويغ سبب رفضهما للمقترح.
لكن المهم لمطقتنا هو اكتشاف حقيقة الموقف الروسي والصيني. ذلك أننا منذ الحرب العالمية الثانية ونحن نسمع ونقرأ مواقف سياسية تحاول أن تطمئن الإنسان في منطقتنا أن كلا منهما حريص على أمننا وحقنا في الحياة الكريمة لكننا نلمس منهما سياسات تقر بالهيمنة الصهيونية وخلق الحقائق والغزو والعدوان ونهب الخيرات.
فهل ستوافق روسيا والصين على مقترح نزع أسلحة الدمار الشامل من دولة إسرائيل، أم لا ولماذا وكيف سيكون حالنا بعد ذلك. ليس مهما كثيرا أن يمر المقترح أم لا لكن المهم معرفة أين يقف كل طرف حقا.
فإذا رُفض مقترح إيران فإن الموقف الأخلاقي والعقلي والمسوغ بالكامل هو انسحاب إيران من المعاهدة لأن المعاهدة لا تحميها من الابتزاز الصهيوني المتمثل في امتلاك إسرائيل للسلاح النووي.
سأكتب في الجزء القادم عما أراه واقعا في العراق.
عبد الحق العاني
14 نيسان 2026