بين الروح والنفس – 1
لم يُجمع المسلمون على خطأ قدر إجماعهم على الخلط بين الروح والنفس. ولم ينج من هذا فقيه أو كاتب أو طائفة من المسلمين. فخلطوا بشكل عجيب بين الروح والنفس فلم يميزوا بين الجوهرين فغالباً ما نجد الفقيه يتحدث عن الروح وعذابها وهو يريد النفس وما يمكن أن يقع عليها. وشاع بين العامة “الترحم على أرواح الموتى” وهم يريدون ولا شك “الترحم على أنفس الموتى”. وطال هذا الخلط حتى الصوفية، وهم الذين كانوا يهتمون بالكلمة أو حتى الحرف الواحد وموقعه اهتماماً كبيراً، فهذا الحسين بن منصور الحلاج يقول في شعره المشهور:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتني أبصرته وإذا أبصرته أبصرتنا
روحه روحي وروحي روحه من راي روحين حلا بدنا
والصحيح عندي هو “نفسان” لا “روحان” كما سأبين لاحقا.
أما محي الدين بن عربي، شيخ الصوفية الغزير في تأليفه وتصنيفه، فقد استعمل لفظة “روح” ولفظة “أرواح” وهو يريد بها “نفس” و “أنفس” عشرات المرات في رسائله. فكتب في ما كتب: “لا يرى لطائف الأرواح إلا من تصفى من كثائف الأشباح.” وله في ديوانه “ترجمان الأشواق” قصيدة عنوانها “تناوحت الأرواح”.
ولا بد أن تكون البداية من القرآن. فقد جاءت كلمة “روح” وما اشتق من جذرها كما يلي:
روح، الروح، روحي، روحنا، روح القدس، الروح الأمين.
أما كلمة نفس وما اشتق منها فقد جاءت كما يلي: نفس، أنفس، نفوس.
وهكذا يبدو واضحا أن القرآن جاء بكلمة “نفس” وجمعها أنفس ونفوس بينما لم يأت بجمع لكلمة “روح”. وهذا أمر خطير ليس من باب فهم اللغة ولكن من باب فهم فقه الدين بل فهم الخلق وعلته.
ولن أبحث هنا في عرض الفرق بين استعماله تعالى لكلمة “روحي” في موضع وكلمة “روحنا” في موضع آخر ولا الفرق بين روح القدس والروح الأمين إن وجد. فهذا أمر ليس هذا مكانه لأنه من علم الله الذي ألزم من عرفه ألا يفرط به خوفاً من أن يقع بيد الذين قال فيهم تعالى: “وأجدر ألا يعلموا حدود ما انزل الله على رسوله والله عليم حكيم”.
أما كلمة “أرواح” التي استعملها الفقهاء، والذين كان أغلبهم يجهل اللغة العربية ولو عرفها حقا لما استعمل كلمة “أرواح”، فهي جمع “ريح” وليس جمع “روح”.
أترك الحديث لمعجمات العربية توضح لنا هذه الحقيقة.
فكتب ابن منظور، والذي أخذ عن معجمات العربية التي سبقته، في لسان العرب:
الرِّيحُ: نَسِيم الهواء…. وجمع الرِّيح أَرواح، وأَراوِيحُ جمع الجمع……..التهذيب: الرِّيح ياؤُها واو صُيِّرت ياء لانكسار ما قبلها، وتصغيرها رُوَيْحة، وجمعها رِياحٌ وأَرْواحٌ…. قال الجوهري: الرِّيحُ واحدة الرِّياح، وقد تجمع على أَرْواح لأَن أَصلها الواو وإِنما جاءَت بالياء لانكسار ما قبلها، وإِذا رجعوا إِلى الفتح عادت إِلى الواو كقولك: أَرْوَحَ الماءُ وتَرَوَّحْتُ بالمِرْوَحة… وفي الحديث: هَبَّتْ أَرواحُ النَّصْر؛ الأَرْواحُ جمع رِيح.
وكتب الفيروز أبادي في باب “الروح” في القاموس:
“والرِّيحُ: م، ج: أرْواحٌ وأرْياحٌ ورِياحٌ ورِيَحٌ، كعِنَبٍ”.
فنخلص من هذا أن ما من أحد من أهل المعجمات ذكر أن “أرواح” هي جمع “روح” وإنما عرفت العرب قبل الإسلام كلمة “أرواح” جمعا لكلمة “ريح”.
وقد يجد من يكلف نفسه مشقة البحث في شعر العرب قبل الإسلام شواهد عدة على كون “أرواح” جمع “ريح” وليس جمع “روح”.
من ذلك قول “ذو الرمة”:
إذا هبت الأرواح من نحو جانب به أهل مي هاج قلبي هبوبها
ومن ذلك قول النمر بن تولب:
وبَوارِحُ الأَرْواحِ كُلَّ عَشِيَّةٍ هَيْفٌ تَروحُ وسَيْهَكٌ تَجْري
(السيهك: الريح الشديدة)
وقال كثير:
وما هبت الأرواح تجري وما ثوى بنجد مقيما عَوْفُها وتِعَـارُهـا
وقال الحُطَيْئة:
أدار سُلَيْمى بالدَّوانِـكِ فـالـعُـرْفِ أقامت على الأرواح والديم الوُطْفِ
وقال العجاج:
فَتَحْمِلُ الأَرْواحُ وَحْياً مُحْنَجاً إِليَّ، أَعْرِفْ وَحْيَها المُلَجْلَجَا
وروي أن ميسون بنت بحدل الكلبية لما اتصلت بمعاوية، ونقلها من البدو إلى الشام كانت تكثر الحنين إلى أناسها والتذكر لمسقط رأسها، فاستمع إليها ذات يوم وهي تنشد:
لبيت تخفق الأرواح فيه أحب إليّ من قصر منيف
ولبس عباءة وتقر عيني أحب إليّ من لبس الشفوف
وأكل كسيرة في كسر بيتي أحب إليّ من أكل الرغيف
فهذه شواهد شعر العرب على أن “أرواح” هي جمع “ريح”. ولم يأت شاهد شعري واحد على أن العرب جمعت كلمة “روح” على “أرواح”. بل لم يرد عن العرب جمع لكلمة “روح”. ولم يحدث هذا عرضاً ولم يغفل تعالى جمع كلمة “روح” إلا لأن السبب هو أن الروح واحد في الكون بينما تعددت الأنفس على عدد الخلائق.
لكن الذين تصدوا للتفقه قرروا أن يجمعوا كلمة “روح”، خلافاً لأمر الله، فجاؤوا بأحاديث مختلقة نسبوها للرسول الكريم (ص) واستعملوا فيها كلمة (أرواح) جمعا للروح.
وحيث إن الفقهاء في كل دين يستبدون بالفكر فإن استبداد فقهاء المسلمين كان ذا ضرر أكبر مما وقع في الأديان الأخرى لسبب كون عدد كبير من فقهاء المسلمين من الأعاجم الذين لم يعرفوا لغة العرب جيداً، فكان لذلك أثر سيء ليس على الدين فحسب وإنما على اللغة العربية ذلك لأن خوف رجال اللغة من الرد على الفقهاء جعل كلام هؤلاء يصبح مقبولاً فينقله رجال اللغة دون رد أو طعن.
فهذا ابن منظور ما أن انتهى من إخبارنا بأن “أرواح” هي جمع كلمة “ريح” حتى نقل عن التهذيب ما أدخله أدعياء الفقه فكتب: “قال أَبو بكر بنُ الأَنْباريِّ: الرُّوحُ والنَّفْسُ واحد، غير أَن الروح مذكر والنفس مؤنثة عند العرب.” ولعمري لا أدري كيف يرضى عالم مثله أن ينقل هذا الطعن على القرآن الذي ميز تمييزاً واضحاً بين النفس والروح.
لكن الأمر مختلف في حالة “الروح”، فلا بد انهم سألوا، حيث يحدثنا تعالى في قوله: “وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً” (الإسراء/85). فأخبرنا تعالى في هذه الآية أكثر من شيء. فهو تعالى يقطع بأن الروح ليس النفس كما نقل إبن منظور عن إبن الأنباري والذي لا بد انه هو بدوره نقلها عن فقيه يتقول على الله. فلو إن النفس والروح واحد لما رد تعالى الرد القاطع في نهيه للسؤال عن الروح بينما يحدثنا تعالى كثيرا في كتابه الكريم عن النفس وأحوالها. والرد الآخر الذي جاءت به الآية هو ان الروح ليس مما سيحدثنا عنه تعالى كما فعل في حال النفس. وثالث حقيقة أنبأنا بها العزيز الحكيم هي إن العلم بجوهر “الروح” هو خارج القليل من العلم الذي آتانا برحمته. ورابع حقيقة أنعم بها علينا في هذه الآية الكريمة هي انه في إدخاله “ألـ” على كلمة “روح” عرفها فأصبحت معرفة. وهذه المعرفة لا تتجزأ ولا تتعدد. فهي هي. فالروح الذي حل في آدم وأسجد له الملائكة في قوله: “فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ” (الحجر/29)، هو الروح نفسه الذي تجلى لمريم (ع) ليهبها السيد المسيح (ص) في قوله: “فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا” (مريم/17)، وهو الروح نفسه الذي نفخه في فرج مريم (ع) في قوله: “وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ” (التحريم،12).
وهذا الروح جوهر واحد هو سر الحياة في الكون لا يختلف بين حي وآخر، وهو الذي أدركه السامري، في غياب موسى عن بني إسرائيل حين كان في ميقات ربه، فقد بصر السامري أن الأرض التي كان يمشي عليها جبريل كانت تحيى بالروح الأمين فقبض قبضة من التراب الذي سار عليه جبريل فالقاها في تمثال العجل فسرى الروح في العجل فصار له خوار، وقص تعالى علينا ذلك في قوله: “قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ، قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي” (طه/95-96).
ولهذا ليس لكلمة “روح” جمع في القرآن ولا في الحديث النبوي الصادق. لأنه ليس في الكون إلا روح واحد.
وهذه الحقيقة لم تكن غائبة عن العرب قبل الإسلام لذلك لم يأت العرب قبل الإسلام بجمع لكلمة “روح” لأنهم كانوا يعرفون من عهد نوح أن الروح لا تجمع. ويبدو أن هذا الإدراك القديم عند القوم الساميين من “ذرية من حملنا مع نوح” بقي عند الكثيرين منهم حين ضيعه العرب بعد الإسلام. فقد أبقى إخواننا النصارى العرب على التمييز بين النفس والروح. فالنصراني العربي يقول (الصلاة لراحة نفس فلان) ولا يقول (روح فلان) كما يقول المسلمون العرب اليوم. وربما كان للتثليث الذي ورثه النصارى العرب دور حاسم في الإبقاء على هذا التمييز. ذلك لأن النصراني يقول باسم الأب والابن وروح القدس. فأصبحت كلمة الروح عنده مقترنة بروح القدس فلم يستعملها جزافاً كما فعل المسلم للتعبير عن النفس فحفظ النصراني التمييز بين الروح والنفس حين خص الروح بروح القدس وأطلق استعمال النفس على القوة الفاعلة في الإنسان.
ولا بد من سائل يسأل ما هو جوهر النفس وما هو جوهر الروح إذن؟ وجوابي هو أن الأمة التي قضت أربعة عشر قرناً وهي لا تميز بين النفس والروح لا بد أنها تحتاج لزمن طويل كي تبدأ في فهم الفرق بين الجوهرين.
فقد كان موضوع الروح ومعناها وما زل وسيبقى واحداً من أعقد الأمور الإلهية والألغاز القرآنية التي عجز فقهاء المسلمين عن البدء بفهمها فما بالك بفك مستعصي معناها.
وجاء في الحديث المنسوب لرسولنا الأكرم (إن الله خلق آدم على صورته) وهو مشابه لما جاء عن السيد المسيح في الإنجيل. فحين أراد تعالى أن يُعرف فإنه اختار صورة له كي يُعرف بها. فيكون معنى نفخ الروح في آدم في قوله “ونفخت فيه من روحي” هو أنه تعالى حين جعل آدم على الصورة التي أختارها لنفسه فإن الروح جرى في آدم لأنه تعالى (حي قيوم) فحين كانت مشيئته أن يكون آدم على صورته كان لا بد للطين من أن يكون حيا إذ يستحيل أن يكون غير ذلك. وهذا هو معنى النفخ. أي أن النفخ يفهم على أنه المشيئة في كون آدم على صورته الحية.
وبرغم أن القرآن لا يحدثنا كثيرا عن الروح وعلاقته بالنفس وكيف يؤثر الأول في الثانية وليس العكس، فإني أعتقد أني أصيب في استنتاجي أن الروح يدخل النطفة في الرحم فيحيلها الى نطفة حية مستدلا على ذلك بقوله تعالى: “وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ”، حيث توضح الآية الكريمة أن الروح دخل الرحم وهكذا يكون الروح في كل جنين.
وللحديث صلة……
عبد الحق العاني
www.haqalani.com
14 نيسان 2026