عمان والسياسة الخجولة!


إذا كنت قد تعلمت شيئا من وجودي في ُعمان فهو حقيقة هو أنه ال يلتقي اليوم
اثنان أو أكثر من أهل ُعمان إال ويكون الحديث عن الهجمة الصهيونية األخيرة
التي امتدت من غزة حتى خراسان، وما تأثير ذلك على ُعمان، وما ينتظر ُعمان،
وما على ُعمان أن تفعله! لذا فإني وجدت رأ ي جريدة الوطن العُمانية الصادرة يوم
16 حزيران 2026 تحت عنوان ” ُعمان الرابح األكبر من حرب إيران”، والذي
أرسله لي اليوم أحد أصدقائي العُمانيين الكرام، وهو، أي الرأي، الذي استشهد
بآراء عدد من النكرات الصهاينة ال لشيء سوى أنهم يكتبون أو يعملون في
مؤسسات صهيونية دون أن يأتي على رأي ُعماني واحد وكأن ُعمان ال تمتلك
عقال واحدا يستحق الذكر، أقول إن هذا الرأي الذي يعكس السياسة العُمانية
الخجولة والسائدة في اإلعالم السياسي الموجه، تعطي القارئ العربي غير العُماني
انطباعا غير صحيح عن حقيقة ما يراه العُمانيون.
لذا فإني أكتب!
عمان
قيمة ُ
إن قيمة ُعمان السياسية ترتكز على حقيقة موقعها، وهي الحقيقة التي لم تستفد منها
ُعمان بعد وآن األوان أن تفعل. ذلك أن حدودها تتكون من ساحل بحر العرب )بما
في ذلك خليج ُعمان( الذي يتصل بمياه العالم دون عائق. وهي بهذا تتميز عن بقية
دول الخليج التي تعيش تحت رحمة مضيقي هرمز وباب المندب اللذين يتحكمان،
كعنق الزجاجة، ليس فقط بكل تجارة دول الخليج بل بمصائر تلك الدول.
وبرغم أن ُعمان أدركت هذه القيمة حين بنت ميناء )الدقم( إال أن القيمة الحقيقة
لساحل بحر العرب لم تستغل كاملة. وربما كان سبب ذلك تردد دول الخليج في
االعتماد على ُعمان في السابق ألسباب عدة ليس أقلها أهمية التوجيه الصهيوني
لدول الخليج حين يتعلق األمر بما يجب أن تكون عليه طرق المالحة مما ينتظم مع
خطط الصهيونية في الهيمنة والحماية لتلك الطرق.
لكن الحال قد تبدل تدريجيا منذ سنوات. ثم جاء العدوان الصهيوني األخير ليحدد
قواعد جديدة بحكم نتائجه. فسواء أشاءت دول الخليج أم لم تشأ فإن نتيجة العدوان
أثبتت فشل النظرية األمنية التي وعدت بها الصهيونية دول الخليج وأصبح لزاما

على تلك الدول أن تبحث عن طرق بديلة لتصدير الطاقة واستيراد مقومات الحياة.
وهذه ال ُسبل لن تكون إال عن طريق بحر العرب مرورا بعُمان!
ولن يكفي مشيخة اإلمارات أن تبني خطا لنقل النفط إلى الفجيرة حيث إن الضمان
الحقيقي هو في االبتعاد عن مضيق هرمز قدر اإلمكان، فيكون األمان أن ينتهي
الخط في صحار على سبيل المثال. كما إن التصدير السعودي الى ميناء ينبع ليس
آمنا حيث إن البحر األحمر، الذي يتحكم به باب المندب، بحر مضطرب ما دامت
إسرائيل قائمة.
وهكذا فإن الفرصة متاحة لعُمان في االنتفاع من مرور نفط دول الخليج فيها
وتصديره من موانئ السلطنة مما سيخلق حركة اقتصادية واسعة. وهذا الحال
سيعطي ُعمان قيمة سياسية لم تتمتع بها طيلة فترة هيمنة وتحكم السعودية بمجلس
تعاون الخليج. ففي ضعف الثقل السعودي سيزداد ثقل ُعمان السياسي. كما أن أي
حركة للتجارة وتصدير الطاقة من الخليج سوف تخضع لتقدير ُعمان بما يترتب
عليه من وارد مالي يُضاف مصدرا لم يكن يوما متاحا للسلطنة.
إن العدوان الصهيوني األخير على المنطقة منح ُعمان فرصة كبيرة لنقلة في ثقلها
السياسي ومستقبلها االقتصادي.

عمان
استقالل ُ
قد يستغرب القارئ أني أتحدث عن استقالل ُعمان. لكني أعتقد أن أية دولة فيها
قواعد أجنبية تكون منقوصة االستقالل حتى تزول تلك القواعد منها. و ُعمان في
هذا ال تختلف عن أية دولة في المنطقة في كونها ناقصة االستقالل ما دامت فيها
قواعد صهيونية بريطانية وأمريكية، مهما كان حجم تلك القواعد ومهما كان مدى
فاعليتها حيث إن األمر يتعلق بالمبدأ ال بالتنفيذ.
واألمر ال يصح أن ينظر إليه من باب اإلخالص حسب، أي إن القائلين بالحاجة
لتلك القواعد ليسوا بالضرورة أقل إخالصا لعُمان من الرافضين لتلك القواعد.
فربما يمكن قيام تسويغ لموافقة السلطان قابوس عليها في ظل عدة حقائق ليس
أقلها أن البريطانيين هم الذين جاؤوا به ليحل محل أبيه في حكم ُعمان، فكان ال بد
أن تكون النتيجة أن يبقي لهم قاعدة في ُعمان إقرارا بذلك الفضل. وقد جلب
انتباهي تعليق أحد الصهاينة اإلنكليز قبل أيام في أن تهديد ترمب األخير لعُمان

كان تثبيتا لقيمة ُعمان في السياسة البريطانية حيث تشكل القاعدة البريطانية فيها
واحدة من أهم قواعدها الخارجية.
إال أن هذا لم يعد مسوغا. فاالدعاء بالحاجة للبريطانيين لحماية ُعمان لم يعد قائما.
ذلك أنه يقتضي تحديد الخطر الذي تتعرض له ُعمان مما يستدعي الحماية. فال
ثوار الجبل األخضر لهم أثر وال “مشاغبو” ظفار يسمع عنهم خبر. كما إن دول
مجلس التعاون الخليجي ال يمكن أن تشكل مصدر خطر لعُمان، فالمجلس ضمانة
ذلك. وال أعتقد أن ُعمانيا واحدا يعتقد أن إيران أخطر عليه من إسرائيل.
وقد كتبت عن الحاجة لالستقالل السياسي من نظرة موضوعية لبناء دولة،
وأغفلت عوامل االنتماء واألخالق والدين التي تعمل داخل المجتمع العُماني. فاذا
ما أدركنا حقيقة واقع شعب ُعمان المسلم والعربي الزدادت الحاجة إلخراج
القواعد الصهيونية من أرض ُعمان العربي. فالحقيقة التي يعرفها من يعرف ولو
قليال عن أهل ُعمان، هي أنهم في أغلبيتهم منتمون لألمة العربية انتماء عضويا
في المشاركة بمصير األمة وآالمها ومآسيها كما تجلى ذلك في تعاملهم بما جرى
في فلسطين والعراق بشكل واضح. وهذه حقيقة ال تجدها في أهل دول مجلس
الخليج األخرى النعدام انتماء األعراب في تلك الدول لألمة العربية. فهم قد
يتكلمون اللغة العربية وقد يفخرون بانتمائهم لإلسالم لكنهم في انعدام شعورهم
باالنتماء لألمة العربية أسرع في خدمة الصهيونية كما فعلوا في خراب العراق.
لذا فإن األولوية لسياسة ُعمان في صيانة االستقالل السياسي هي العمل على إلغاء
أي وجود عسكري أو أمني أجنبي على أرض ُعمان.
عمان
ُ
دور
وحيث انتهيت في تذكير ُعمان بقيمتها السياسية وبضرورة ضمان استقاللها
الكامل، أصبح من الممكن الحديث عما سيكون لعُمان من دور في جزيرة العرب
بما يليق بتأريخها وبأهلها.
إن دور ُعمان السياسي لن يكون في الحديث الخجول وكأنه يحاول االعتذار من
الصهيونية عن عدم دعم ُعمان لها، كما انه ال يصح أن يكون في الحديث الذي
وصلني من أحدهم وهو يتحدث عن الحاجة لتجميد عملية التطبيع مع مغتصبة
فلسطين، وكأن الصهيونية ستكون متفضلة عليه إذا سمحت له بالتأخر في التطبيع.
أو أن دعوة قاتل األطفال لزيارة مسقط لم تكن لحظة سوداء في تأريخ ُعمان

العربي الذي يزهو في أنه أخرج الفرس من جزيرة العرب، كما تشهد الرستاق
على ذلك.
إن دور ُعمان السياسي المقبل ليس في كونه يتوسط بين إيران والصهيونية بل
سيكون في لعبها دورا متكافئا في المنطقة من خالل إدراكها لموقعها الجغرافي.
وهكذا تستغل ُعمان النتيجة الطبيعية التي أفرزتها الحرب األخيرة في أن تصبح
شريكا كامال في التحكم بمضيق هرمز وما ينتح عن ذلك من فرض السيادة عليه
واالنتفاع بكل ما يترتب على إدارته المشتركة مع إيران. وال يخدعن أحد ُعمان
في أن هذا مخالف للقانون الدولي. فليس هناك من قاعدة في القانون الدولي تمنع
ُعمان من تمديد حدود مياهها اإلقليمية إذا شاءت حتى تغطي كل مضيق هرمز.
كما إن استقالل ُعمان السياسي والعسكري الكامل سوف يمنحها القدرة على أن
تكون طرفا عادال ومعتبرا في أي خالف أو مباحثات، فلن تكون وسيطا ينقل
الرسائل بسبب عالقتها كأجير لقوة كبرى. بل تكون طرفا مستقال صاحب رأي
فاعل.
إن حذر ُعمان الذي قام لعقود من الطغيان الوهابي المهدد لفكر اإلباضية السائد في
ُعمان لم يعد قائما كما كان عليه مما يعطي ُعمان مساحة أكبر للتحرر من التأثير
السعودي عليه. ذلك ان التغيير السياسي، الذي جاء به محمد بن سلمان والذي
عرى أكذوبة تمكن الفكر الوهابي حين سلبه سلطته السياسية، أزال الخطر الذي
كانت تخشاه ُعمان. ذلك أن تحول التيار الوهابي الى مجرد مذهب وليس سياسة ال
يشكل خطرا على ُعمان ألن الفكر الوهابي المذهبي متخلف الى الحد الذي ال
يمكن له أن يؤثر باي شكل على عقول الجيل العُماني الجديد والمتعطش للمعرفة.
فمن من شباب ُعمان سيتبع مذهبا يقوده رجل ما زال يعتقد أن األرض مسطحة!
كما أن استقالل ُعمان من الوجود العسكري الصهيوني سوف يترتب عليه استقالل
من تأثير النفوذ البريطاني في التخطيط واالقتصاد والذي عمل بتعمد خالل أربعين
عاما على منع ُعمان من التنمية بينما دعم ونفذ مشاريع تنمية في اإلمارات كما
يبدو واضحا في مشاريع الطاقة ذلك ألنه يخشى تطور ُعمان بينما يعد اإلمارات
قاعدة له. ويكفي شاهدا على فشل التخطيط البريطاني في ُعمان التذكير بأن أي
متابع للنهضة والتنمية في العالم يدرك بداهة أن أول سبل التطور هي بناء شبكة
سكك حديد لربط مراكز اإلنتاج وليس طرق سيارات ال تخ دم سوى تجار ووكالء

السيارات، وهو ما فعله التخطيط البريطاني المعيق للتنمية في ُعمان. وه ناك أكثر
من شاهد لكن هذا ليس موضعه.
إن انحسار العبث البريطاني بالتخطيط واالقتصاد في ُعمان سوف يفسح المجال
ألبناء ُعمان األكفاء لتنمية البلد وتمكين ُعمان من الدور الالئق في المنطقة.
هذه أفكار سريعة وددت مشاركة أهلي العُمانيين بها، عسى أن تنفع.
عبد الحق العاني
18 حزيران 2026

اترك تعليقاً