أكان قبل آدم خلق؟
برغم أن خلق الإنسان جاء في القرآن في عدد من الآيات إلا أن قراءتها لوحدها لا تقود بالضرورة إلى فهم واسع لكيفية بدأ الخلق وما سبقه، وما معنى أن يعود، ولماذا؟
وقبل محاولة البحث في خلق الإنسان وما قبله لا بد من التذكير بأن القرآن الكريم يضم عددا من الكلمات مثل (بشر، إنس، إنسان، جن، جان) والتي جاءت في عدد من الآيات. ولم يقم مفسرو القرآن ولا الفقهاء في الاتفاق على معاني لها. وهي وإن كانت تبدو سهلة لكنها في واقع الحال تحتاج لفهم حقيقي لأن ذلك مهم في فهم الخلق، خصوصا وإن بعض المفسرين والشراح يستعملون عددا منها بصورة متبادلة وكأنها متطابقة في المعنى والحال ليس كذلك.
فكتب ابن منظور في باب (بشر) من لسان العرب، وهو يجمع ما قاله من سبقه من أهل العربية: البشر: الإنسان. وقد يكون صحيحا القول بأن الإنسان من البشر. لكن قول ابن منظور يُفهم منه أن البشر والإنسان واحد أي إنهما مترادفان. وهذا غير صحيح لاختلاف الجوهر والدلالة. إلا أن الأهم من ذلك هو أنه تعالى لا يحتاج لاستعمال كلمتين مختلفتين للدلالة على مفهوم واحد. فالزيادة عند الكامل لا تختلف عن النقص وهذا لا يجوز عنده. إي انه تعالى يكون قد استعمل كلا من البشر والإنسان دليلا على اختلاف وليس على تطابق.
فكلمة (بشر) مشتقة من (بَشَرَة) وهي أَعلى جِلْدَةِ الرأْس وَالْوَجْهِ وَالْجَسَدِ مِنَ الإِنسان، وَهِيَ الَّتِي عَلَيْهَا الشَّعْرُ. ولهذا يقال باشر الرجل زوجه حين يراد أنه جامعها حيث تمس بشرته بشرتها. ولهذا كان استعمال العامة الشائع في قولهم (أرسلت له الشيء مباشرة) خطأ فاحش لأنه ليس في الأمر أية ملامسة.
وهكذا يكون البَشَر من له بَشَرَة.
أما الإنسان فهو مشتق من (الإنس). والإنس عند العرب، كما أجمل ابن فارس في مقاييس اللغة: ((أَنَسَ) الْهَمْزَةُ وَالنُّونُ وَالسِّينُ أَصْلٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ ظُهُورُ الشَّيْءِ، وَكُلُّ شَيْءٍ خَالَفَ طَرِيقَةَ التَّوَحُّشِ. قَالُوا: الْإِنْسُ خِلَافُ الْجِنِّ، وَسُمُّوا لِظُهُورِهِمْ. يُقَالُ: آنَسْتُ الشَّيْءَ: إِذَا رَأَيْتُهُ.) وإِنْسانٌ فِي الأَصل إِنْسِيانٌ، وَهُوَ فِعْليانٌ مِنَ الإِنس. ذلك لأَن الْعَرَبَ قَاطِبَةً قَالُوا فِي تَصْغِيرِهِ: أُنَيْسِيانٌ، فلو كان الأصل إنسان لكان تصغيره (أنيسان) فَدَلَّتِ الْيَاءُ الأَخيرة في التصغير عَلَى الْيَاءِ فِي الأصلِ، ثم حَذَفُوا تلك الياء لَمَّا كَثُرَ الاستعمال في كلامهم أو لسبب آخر فأصبحت الكلمة (إنسان).
والإنسان له بشَرَة فهو من البشر. فيكون كل إنسان بشرا “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ”. لكنه ما من سبب عقلي أو قرآني يقضي بأن تكون كل إشارة لبشر تعني إنساناً. بل إن شواهد القرآن تقضي خلاف ذلك حيث يقول تعالى في توجيهه لمريم حين أمرها بالصيام عن الكلام: “فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا”. فكيف تصوم مريم عن الكلام ثم تقول إنها لن تكلم إنسيا إذا لم يكن من تكلمه من البشر الذين ستراهم ليس إنسيا؟ وقد يسأل سائل: ومن من البشر ليس إنسيا؟ وجواب ذلك من القرآن في قوله تعالى في ضيف إبراهيم من الملائكة: “اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ”. كما انه تعالى يخبرنا عن الجن الذين حشروا لسليمان مع الإنس وكانوا بشرا في حضرته: “قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ”.
ولا يمكن لمن يتدبر القرآن إلا أن يتوقف عند قوله تعالى: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ”. ومن هذه الآية في خلق آدم يرتفع أكثر من سؤال له علاقة بخلق آدم، ومنها على سبيل المثال:
- متى خُلق الملائكة وكيف؟
- هل شهد الملائكة خلقا مفسدا قبل خلق آدمنا؟
- فإذا كان هذا قد حدث فهل كان ذلك في الأرض أم في غيرها؟
- فإذا لم يشهد الملائكة خلقا مفسدا قبل آدم فمن لهم أن يعلموا أن بني آدم سيفسدون في الأرض وهم القائلون “قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ”؟
إن البحث للإجابة على هذه الأسئلة وما يتعلق بها أساس لفهم خلق الإنسان.
إن مما لا شك فيه هو أن الملائكة مخلوقين لأن كل ما سواه مخلوق “الله خالق كل شيء”. ولقوله تعالى: “أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ”. ثم إنه تعالى يخبرنا في آية أخرى كما أسلفت في قوله: “وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” أي ليعرفوني كما أوضحت في بداية هذه السلسلة. فلم يذكر الملائكة مع من فرض عليهم العبادة، برغم أنه تعالى ذكرهم في عدد من الآيات وهم يسبحون ويسجدون. فهل يعني هذا أن الملائكة هم من الجن والإنس مما يجعل شمولهم في حصر العبادة بالجن والإنس دون الحاجة للإشارة لهم مستقلين. ويعزز هذا القول إنه تعالى حين خلق آدم وأمر الملائكة بالسجود قال: “وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا”. فأعلمنا بذلك أن إبليس الذي كان من الملائكة ورفض وحده السجود كان من الجن!
وحيث إنه لا جدال في النص القرآني القاضي بان إبليس كان من الملائكة ومن الجن فليس هناك سبب يدعو للقول بأن إبليس هو الجن الوحيد بين الملائكة، أي إن هناك عالم من ملائكة الجن. وهذا الاستنتاج العقلي الذي لا يعارضه نص قرآني يدفع للقول بانه ليس هناك سبب للقول بأنه لا يوجد ملائكة من الإنس. فإذا وصلنا لهذه النتيجة تبين لنا سبب عدم إشارته تعالى للملائكة حين أعلمنا بعلة خلق الجن والإنس لأن الملائكة لا يخرجون عن هذين العالمين.
وقد يسأل سائل: كيف يكون الملائكة من الإنس وآدم لم يخلق بعد؟
والجواب على هذا السؤال هو أن (الإنس) لا يطابق (بني آدم) ذلك أن كون بني آدم من الإنس لا يعني أنهم يُكوِّنون وحدهم عالم الإنس. ويسند هذا الاستنتاج لقوله تعالى: “وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً”. فمن هم الذين خلقهم تعالى وفضل بني آدم عليهم ومن هم الذين لم بفضل بني آدم عليهم؟ أليس هذا شاهد على أنه تعالى خلق غير بني آدم ممن لم يفضل بني آدم عليهم؟ وإذا كان هذا هو الحال فلماذا لا يكون هذا الخلق هم الذين شهد الملائكة إفسادهم فحاوروا الله في ذلك؟
وإذا صح هذا القول فإن بالإمكان الاستنتاج بأن الملائكة الذين حاوروا الله حين أخبرهم عن خلق آدم وجعله خليفة في الأرض هم الذين صفوا من الخلق السابق فدخلوا الجنة لإيمانهم التام فخلدوا في ملكوت السماء قرب مولاهم. وهكذا نصل في هذه الاستنتاجات المتتابعة الى فهم كيف خلق الملائكة المشار اليهم في القرآن دون إعلامه تعالى لنا بتفصيل خلقهم. حيث إننا وصلنا الى نتيجة مفادها أن الملائكة هم من الجن والإنس. فملائكة الجن ليس لنا في معرفتهم إلا القليل فلا نملك سوى أن نقر بوجودهم مع عدم مقدرتنا على تصور دورهم وحركتهم في عالمنا المشهود.
أما ملائكة الإنس الذين أخبرنا الله عنهم في حواره عن خلق آدم فهم من المؤمنين الذين دخلوا الجنة في خلق واحد أو أكثر من الإنس ممن سبق خلق آدم الذي نحن من ذريته. وهذا الاستنتاج يقودنا للقول بأن المؤمنين من ذرية آدم سينتهون كما انتهى المؤمنون من أي خلق سابق من الإنس ملائكة في جنته التي وسعت السموات والأرض ما دامتا قائمتين وذلك في عملية خلق وعودة مستمرة دون توقف “يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ”.
ويمكننا بعد كل ذلك أن نخلص للقول بأنه تعالى خلق الجن والإنس في إرادته أن يعرف. وأنه أوجد الجن قبل الإنس “وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ”. ثم خلق الإنس وهذا الإنس كما بينا ليس كله من بني آدم حيث إن الشواهد تدل على أن خلقا من الإنس سبق خلق بني آدم، وإن لم يقم دليل على أنهم وجدوا على أرضنا هذه أو في مكان آخر من سمائه ذلك أن استفسار الملائكة حول إمكانية إفساد بني آدم في الأرض لا يعني بالضرورة أنهم شهدوا الفساد السابق على الأرض. فكما وقع خلق الأرض ليس هناك ما يمنع قيام حياة في مكان آخر من سمائه اللامتناهية.
وللحديث صلة……
عبد الحق العاني
www.haqalani.com
14 آذار 2026