فما الذي أعتقد أن على إيران أن تفعله وهي تواجه الهجمة الصهيوني؟ لا شك أن هناك كثيرا من الأفكار مما يمكن عرضه لكن سأعرض مقترحين يتعلقان بما أراه سبيلا للطعن بمسوغات العدوان.
لا مفاوضات خارج القانون
لا يمكن لمن تابع الحديث الذي سبق العدوان وما قيل عند وقوعه أن يتحاشى النداء تلو النداء يدعو لوقف الحرب والعودة للتفاوض. وقد استوقفني بشكل خاص ما كتبه السيد وزير خارجية سلطنة عمان في مقال موزون حيث دعا الى العودة للتفاوض. لكن معالي الوزير نسي أن يسأل مستشاريه القانونيين عن الأرضية القانونية التي تقضي أن على إيران أن تتفاوض مع الصهيونية حول حقها في تقرير سياساتها العلمية أو العسكرية.
إن الدعوة للمفاوضات بحجة أنها وقعت سابقا ليست سببا للدعوة المتجددة إذا كانت المفاوضات الأولى تمت خلافا للقانون بسبب القوة المفرطة التي تتمتع بها الصهيونية في السيطرة على القرار السياسي حتى داخل مجلس الأمن.
فالسؤال الذي يجب أن يقوم في ذهن أي متابع للحدث هو: لماذا يجب على إيران أن تفاوض الولايات المتحدة أو أية دولة أخرى حول برنامجها النووي أو أي برنامج يتعلق بتسليحها؟ وحتى تتم الإجابة على هذا السؤال فإن الدعوة للعودة للتفاوض تصبح عبثا لا معنى له.
ذلك أن إيران حين صادقت على معاهدة حظر انتشار السلاح النووي (المعاهدة) فإنها أخضعت برنامجها النووي ومراكز بحثه لإشراف (الوكالة). وقد قامت الوكالة، والتي تتحكم بها الصهيونية منذ نشأتها، بتفتيش إيران كلما شاءت كما فعلت في العراق وسورية قبلها. فأكدت أن إيران ملتزمة بالمعاهدة. وحيث إنه ليس على طرف ملتزم بأية معاهدة أن يفعل أكثر من ذلك فإن قرار الوكالة كان يجب أن يكون نهاية هذا الأمر.
لكن حقيقة المشروع الصهيوني لمنطقتنا لم تكن يوما نزع هذا السلاح أو ذاك إنما كانت الهيمنة المطلقة على كل شيء فيها وأول ما يبتدأ به هو العقل وتطور الإمكانيات العلمية التي تقود لبناء دولة قادرة تمنع هيمنة الصهيونية عليها. والبحث النووي واحد من مظاهر المقدرة العلمية على التطور ليس في مجال السلاح النووي حسب بل في أبواب علمية واسعة. لذلك فإن الصهيونية لم تكتف بتقرير (الوكالة) بالتزام إيران بالمعاهدة.
ولن أدخل في تفاصيل مراحل خطط الصهيونية من مفاوضات وقرارات لمجلس الأمن والعقوبات التي فرضتها تلك القرارات فهذا حديث طويل. لكنه لا بد من توضيح مواضع الخطأ في قبول إيران بما فرض عليها سابقا والتأكد من عدم قبوله ثانية.
وأول ما يجب التذكير به هو أن حق أية دولة في تخصيب اليورانيوم لا يخضع لوصاية مجلس الأمن ما دام التخصيب ليس جزء من إنتاج السلاح النووي. إذ أن (الاتفاقية) قامت لمنع انتشار السلاح النووي وليس لمنع الدول من تطوير قدراتها العلمية في البحث والإنتاج. لذا فإن قرارات مجلس الأمن التي قضت على إيران وقف التخصيب والتي أدت الى فرض عقوبات حين رفضت إيران الالتزام، اتخذت دون سلطة لأن مجلس الأمن يعمل تحت القانون الدولي وليس خارجه فلا يمكن للكبار أن يفعلوا ما يشاؤون كما فعل الأعضاء الخمسة الدائمون بحق إيران حين فرضوا عليها العقوبات ثم أجبروها على التفاوض على حقها.
وقد ساعد على التفاوض على حقوق إيران خلافا للقانون وجود استعداد لدى طائفة من ساسة إيران الذين تصفهم الصهيونية بالمعتدلين على تقديم التنازلات للحصول على ما يعتقدونه ضمانات لديمومتهم.
ولو افترضنا أن كل ما جرى حتى توقيع اتفاق عام 2015 كان سليما وعلى وفق القانون الدولي، فإن الحال تغير حين انسحبت الصهيونية من الاتفاق. فقد أصبح الاتفاق ملغيا وكان على مجلس الأمن أن يتخذ قرارا بهذا الحال يحدد فيه المسؤولية وما يجب فعله بعد ذلك ما دام المجلس ممسكا بالقضية.
لكن ما حدث بعد ذلك لا علاقة له بالقانون ولا ميثاق الأمم المتحدة ولا (المعاهدة) بل كان قرارا فرديا من الصهيونية بأن على إيران أن تستسلم للمشروع الذي تريد الصهيونية إتمامه في منطقتنا بعد أن أكملت حلقاته الأولى في احتلال العراق وخراب ليبيا وإخضاع سورية. وحين لم يتحقق ذلك عن طريق التهديد بحجة عدم الالتزام بالقرارات وقع العدوان.
إن من الواضح أن الدعوة للعودة الى التفاوض كما جاء في مقال السيد وزير خارجية عمان ليست سليمة، فلا هي على وفق القانون ولا هي مقترح سياسي يستند الى ميثاق الأمم المتحدة وهي ليست على وفق (المعاهدة) إذ ليس في المعاهدة ما يقضي بأن من حق دولة موقعة عليها أن تفرض على الدول الأخرى كيف تطبق (المعاهدة).
إن دعوة إيران للتفاوض مع الصهيونية حول مستقبل برنامجها النووي تجاوز على قواعد القانون وخرق للنظام الدولي الذي وضعته الصهيونية في القرن العشرين لتنظيم العلاقات بين الدول. لذا فأنه لا يعقل أن توافق إيران على ذلك. إن هذا لا يعني أن ترفض إيران مبدأ التفاوض لكن أي تفاوض يجب أن يتم على وفق قواعد القانون أي إن أحدا لا يمكن أن يشترط عليها ما الذي يجب أن تفاوض عليه ووفق أي قواعد.
لا! لمعاهدات الإذعان
إن أي مراقب أو دارس للحدث السياسي منذ الحرب العالمية الثانية لا يمكن إلا أن يتوقف عند المعاهدات التي أعدها المنتصرون في الحرب لترتيب النظام السياسي العالمي بما يتلاءم مع مصالحهم. وأول شاهد وأصدقه ميثاق الأمم المتحدة الذي كتبه الحلفاء لتأمين سيطرتهم على النظام السياسي العالمي وجعلوه أسيرا لمجلس الأمن الذي تحكموا به منذ تأسيسه عن طريق الاحتفاظ بحق النقض لأنفسهم.
وقد حرص الصهاينة على قيام الآخرين بالعمل على وفق مصالح الصهيونية في التصديق أو الامتناع عن التصديق على أية معاهدة. فقد استعملوا كل السبل بما يتلاءم مع كل دولة من أمر أو ضغط أو ترهيب أو إغراء لتوقع تلك الدولة على المعاهدة كما هو الحال في معاهدة حظر الانتشار ومعاهدات حظر السلاح الكيمياوي والحيوي.
أما حين توقفت هي نفسها عن التصديق على معاهدة ما كما هو الحال في اتفاقيات جنيف الأربع المتعلقة بقواعد القانون الإنساني الدولي فإن الصهيونية التي ترددت كثيرا قبل المصادقة عليها لم تشجع أحدا على المصادقة عليها.
لكن الحال اختلف حين عارضت الصهيونية اتفاقية كان واضحا أنها ستكون عائقا أمام الصهيونية لارتكاب الجرائم كما هو الحال في التصديق على دستور محكمة الجنايات الدولية. فقد أخبرني الوكيل الأسبق لوزارة العدل في سلطنة عمان بما يلي:
(قضينا وقتا طويلا نصعد طائرة ونهبط من أخرى، نحط في مدينة ونرحل عن أخرى ونحن نناقش دستور المحكمة حتى إذا ما اكتمل قالت لنا الولايات المتحدة لا توقعوا، فلم نوقع.)
وما زلت أسال منذ ثلاثين عاما: إذا كان عدد من حكام العرب أمثال أولئك الذين يديرون محطات النفط في الجزيرة والخليج لا يمتلكون القدرة أو الرغبة في الرد على السيد الصهيوني الذي أجلسهم حيث هم وأبقى عليهم، فلماذا فعل الحكام العرب، من أصحاب الموقف الوطني أو القومي أو ممن امتلكوا حدا من الكرامة الذاتية، الشيء نفسه في المصادقة على أية اتفاقية لم تصادق عليها “مغتصبة فلسطين”؟ فمن أقنع جمال عبد الناصر وحافظ الأسد وعبد السلام عارف ومعمر القذافي وروح الله الخميني، على سبيل المثال لا الحصر، أن يفعل ذلك؟
وقد يقول قائل إن تصديق هذا الدول لا يغير شيئا حيث إنها كانت ستخضع للرقابة نفسها إن فعلت أو لم تفعل. لكن هذا قول مردود. حيث إن مجلس الأمن ما كان يمكن له أن يتدخل في حال أية دولة لم توقع على أية معاهدة كما الحال في “مغتصبة فلسطين” والتي لا يسألها مجلس الأمن عن أسلحة الدمار الشامل لديها لأنها غير موقعة على أية اتفاقية، ومجلس الأمن لا يحق له أن يسأل دولة غير موقعة.
وهكذا فإن الحكام الذين كنا نتوقع الحكمة منهم هم الذين أدخلوا المنطقة طوعا تحت هيمنة اللجان والوكالات التي تديرها الصهيونية والموكل إليها التفتيش والمراقبة في ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل.
فهل يوجد عاقل واحد يقدر أن يجيبني على سؤالي الذي أدور به منذ ثلاثين عاما؟
ولا يمكن لأية دولة في منطقتنا صادقت على أية اتفاقية أن تتجاهل حقيقة أن تعامل المنظمات أو الوكالات لتلك المعاهدات دليل على الهدف الرئيس من تلك المعاهدة. فمن ذلك مثلا إن (الوكالة) التي يجب عليها وفق اتفاقية حظر الانتشار التحقق من أي تلوث نووي نتيجة حادث أو عدوان لم تقم حتى اليوم بالكشف على أي موقع في إيران تم ضربه من قبل الصهيونية في وقت نجد فيه أن (الوكالة) كانت تسارع في الكشف عن أي موقع في العالم خارج منطقتنا يتعرض لحادث نووي.
إن سلوك (الوكالة) هذا لا يختلف أبدا عن سلوكها حين طلب العراق في تسعينيات القرن الماضي من (الوكالة) البحث والتحقيق في التسرب النووي.
فما الذي يجب أن تفعله إيران بعد العدوان الهمجي الأخير؟
إن مهاجمة محطة بوشهر ومواقع البحث والتخصيب، وعجز (الوكالة) عن الإيفاء بواجباتها المحددة في المعاهدة تشكل سببا قويا لإيران أن تصلح الخطأ التاريخي في المصادقة على المعاهدة فتعلن انسحابها منها كما تجيز المعاهدة ذلك.
لن يحدث لإيران نتيجة ذلك أكثر مما حدث حتى اليوم، لكن إيران سوف تسترد كرامتها التي فقدتها عند التصديق على المعاهدة. وهو قرار لم يكن لا العراق ولا سورية يمتلك القدرة على فعله حين وجب ذلك.
عبد الحق العاني
4 نيسان 2026