الصهيونية – ما هي، لماذا تعتدي علينا، من هم الصهاينة اليوم وما العمل؟  (5)

العمل الإيجابي

هناك سبيلان للعمل الإيجابي في مواجهة الصهيونية: هما العمل القانوني والمقاومة المسلحة. ولا بد من ملاحظة مهمة هي أن العمل القانوني لا يصلح كثيرا للتنفيذ في أرض العرب لأن القضاء فيها كليا بيد الحاكم وكل حاكم عربي اليوم هو بشكل أو آخر رهينة بيد الصهيونية، لذا تصبح الدعوة للعمل القانوني لمواجهة الصهيونية محصورة في العمل خارج الوطن العربي كما سآتي عليه. أما المقاومة المسلحة فهي محصورة بحدودها في أرض العرب لأنها لا تعود مقاومة إذا مورست خارج وطن العرب.

العمل القانوني

إن مما يؤسف له هو أن العربي الذي ترك الوطن لأي سبب كان واستقر خارجه، يحمل في عقله الواعي أو غير الواعي فهما يستصغر القانون أو ينكره. وقد يكون مرد ذلك حالة القانون في وطن العرب عامة والذي لا ينظر إليه باحترام أو ثقة. ونتج عن ذلك أن العربي لا يفهم قيمة الإجراء القانوني في أوربا على سبيل المثال وهو، أي الإجراء القانوني، في حقيقته أكثر ما يخشاه السياسي أو المسؤول لأنه هو الحالة الوحيدة التي قد يجبر فيها ذلك السياسي أو المسؤول على تفسير عمله أو إجرائه والذي يرعبه حين يحدث ذلك لأنه تعود ألا يسأل عما يفعله فحين يطلب منه القضاء أن يجيب فإن حاله يصبح لا يختلف عن حال المشتكي!

وقد أهمل العرب العمل القانوني المتاح لهم لمقاضاة الصهيونية عن جرائمها. فقد لاحظت خلال أربعين عاما جهلا وترددا وخوفاً من القيام بأي عمل قانوني من قبل العرب، فلم أسمع عن دعوى في بريطانيا تقاضي عن الجريمة التي ارتكبت في منح بريطانيا فلسطين في وعد بلفور لقوم لا وجود لهم. ولم أشاهد أي جهد من العراقيين لمقاضاة الصهيونية عن حصار الإبادة والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في غزو العراق واحتلاله.

وأورد هنا مثالا واحدا يبين ما كان ممكنا للعربي وكيف أن إهماله الناتج عن الجهل أو الخوف أدى إلى عدم تحقق الهدف من الفعل الإيجابي. فقد فرض الإتحاد الأوربي حصاراً على سورية منذ عام 2012 حتى تمكنت الصهيونية من سورية في إسقاط حكم البعث وتسليم حكمها لشذاذ الأرض من التركمستان والإيغور الذين لا يميز أحدهم بين مؤخرته ورأسه!

فالحصار الذي فرضه الإتحاد الأوربي على سورية والذي كان يجدد كل عام هو بكل بساطة خرق لميثاق حقوق الإنسان الأوربي، لكني لم أسمع أن مواطنا واحدا رفع دعوى ضد الإتحاد الأوربي معتمدا على قرار المحكمة الأوربية القاضي بأن أي إجراء ينتهك حقوق الإنسان الأساس حتى إذا كان صادرا عن مجلس الأمن لا يعتد به ويعد باطلا وغير ملزم لأية جهة. وكان بإمكان أي متضرر أن يطعن بقرار الإتحاد الأوربي بفرض الحصار أمام المحكمة الأوربية لكن أحدا لم يفعل!

إن هذا المثال يدعو الى قيام حركة توعية بين العرب المقيمين خارج الوطن بالقوانين السارية في بلدانهم والتي تتعلق بحقوقهم وإجراءات ضمانها وصيانتها. وهناك العشرات من الأمثلة على ذلك، لكنها ما لم تُفعّل فلا قيمة لها لأن الصهيونية تعيش على التجهيل والتخويف والابتزاز. وحيث إننا نعيش في عصر يسهل فيه الحصول على المعلومات إذا ما قيس بالسابق فإن بمقدور كل سائل إن يطلع على قوانين بلده. إن تقاعس العربي عن هذا لا مسوغ له. فكم عربي يقيم في ألمانيا مثلا يعرف أنه يحق له أن يقاضي مسؤولا بريطانيا عن جرائم غزة أمام القضاء الألماني.

إن الهدف من إجراءات المقاضاة كجزء من مواجهة الصهيونية هو ليس فقط لكسب الدعوى وان كان ذلك مهما إذا حدث وإنما هو لسببين أولهما توضيح المقاتل لخصمه أنه يرفض الاستسلام ويسعى في كل سبيل للكفاح. وثانيهما هو تحجيم استهتار أي مسؤول في تنفيذ إجراءات الصهيونية لآن المسؤول عن عمل ما سوف يتردد حين يعلم باحتمال قيام مساءلة مباشرة له.

المقاومة المسلحة

إن مبدأ حق تقرير المصير، الذي تعترف به دول العالم عن قناعة أو رياء مجاراة للآخرين، يعطي كل قوم حقاً في تقرير طرق حياتهم الفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية دون أي تأثير خارجي. وقد شهد القرن العشرين أمثلة عديدة قاتلت فيها مجموعات، وصفت بالإرهابية وقتها، للتخلص من حكم المحتلين ثم تحولت تلك المجموعات الى حكومات لدولها اعترف بها الآخرون. وكادت تلك الحقيقة أن تكون عامة وشاملة في القرن العشرين لولا أن الصهيونية استثنت شعب فلسطين من مبدأ حق تقرير المصير حين جاءت بنفايات أوربا التي أرادت التخلص منهم وأعطتهم أرض فلسطين ثم قامت بتسمية الفلسطينيين، الذي طالبوا بأرضهم، بالإرهابيين!

ثم استحدثت الصهيونية نظاما جديدا في أرض العرب المحتلة حين خلفت دويلات وهمية من محطات ضخ النفط ونصبت عليها حكاما ونادت بشرعية تلك التركيبات الوهمية دولا مستلقة كما حدث في دول مجلس التعاون الصهيوني. ثم وصفت من عارضها أو استند عند الطعن بشرعية تلك التركيبات الى قواعد القانون الدولي مثل قاعدة “الرفض المستمر” كما حدث في حالة اقتطاع الكويت من العراق، وصفت أولاء بالإرهابيين.

ثم جاءت الصهيونية ببدعة أبعد من خلق الدويلات وتشظية أرض العرب وذلك في عملية إسقاط النظم السياسية والإتيان بحكومات أجيرة ومنحها الشرعية وتسمية خصوم تلك الحكومات بأنهم إرهابيون كما حدث في العراق وليبيا وسورية.

ويمكننا النظر الى العراق مثالا لما يمكن أن تقوم فيه مقاومة مسلحة وهو المثال الذي يمكن تطبيقه في أي مكان آخر من أرض العرب يطمح بالتحرر وتقرير المصير. وقد اخترت العراق مثالا لأنه أعقد حالا من غيره فإذا كان التصور للمقاومة المسلحة في العراق عمليا فإن تطبيق ذلك في أي مكان آخر من الوطن العربي سيكون أسهل.

وتعقيد الحالة في العراق سببه أن حكومة العراق موالية للصهيونية لكن أغلبية شعب العراق معارض لها. وهذه الحقيقة في ذاتها تكشف أكذوبة النظام “الديموقراطي” في العراق والتي تقول به الصهيونية حين تقوم بالهجوم على المقاومة العراقية مدعية أنها تدافع عن حكومة العراق وتقاوم الإرهاب. فحكومات العراق هي نتيجة غزو العراق واحتلاله عام 2003.

فقد كتبت الصهيونية للعراق بعد احتلاله دستورا يقيم عراقاً على أسس محاصصة عرقية ومذهبية لم تُعرف في تأريخ العراق الممتد لآلاف السنين. وجعلت استحالة تعديل الدستور جزء من صياغته. ووضعت كل واردات العراق من النفط رهينة تحت وصايتها واتخذت لها قواعد عسكرية ومطارات حيث شاءت وجاءت برئيس وزراء للعراق وقع معها على معاهدة أمنية لا يعرف شعب العراق أي شيء عن مضمونها.

إن حق شعب العراق في تحرير نفسه من قبضة الصهيونية هذه ليست موضع جدل. لكن السؤال هو كيف يمكن أن يتحقق ذلك!

لقد نتج عن عصر الثورة الرقمية منافع للناس وضرر. ومن منافع العصر الجديد أن الثورة الرقمية غيرت ميزان القوى حيث أصبح بمقدور إنسان واحد يجلس في غرفته أن يخترق النظام المركزي للكهرباء لأية دوله صناعية متقدمة ويعطل توزيع الكهرباء فيشل تلك الدولة!

لذا فإن المقاومة العراقية قادرة على إجبار الصهيونية على إزالة وجودها في العراق وذلك بالمهاجمة المستمرة لقواعدها ومطاراتها العسكرية باستعمال المسيرات والتي تمتاز بكلفها المنخفضة وعدم الحاجة لمعسكرات لتجميعها وخزنها وإطلاقها. وقيمة هذه الأداة الفاعلة هي أنها تقدر على سبيل المثال تعطيل فاعلية طائرة مدمرة مثل (إف 35) وذلك عن طريق قصف المطار الذي تحتاجه الأخيرة للإقلاع والهبوط والتزود بالوقود دون أن يكلف هذا العمل تعرض إنسان واحد للضرر. وهكذا يمكن لمجموعة من بضعة أشخاص التحرك والانتقال والتخفي عند قيامهم بضرب مواقع ومطارات الصهيونية في العراق ملحقة بها ضررا وإرهاقا ينتهي بقرار الصهيونية الانسحاب حين تصبح الكلفة عالية جدا في حساب الربح والخسارة.

فإذا قامت الصهيونية بمهاجمة المدنيين والمنشئات المدنية، حين تعجز عن إيقاف المقاومة عن هجماتها، فإن هذه المقاومة تقدر على ضرب المصالح الاقتصادية للصهيونية في العراق، وما أكثرها وما أسهل الوصول لها. وحيث إن المال يتقدم على البشر في النظام الرأسمالي الصهيوني، وهو القوة الرئيسة خلف طغيان الصهيونية وعدوانها، فإن الضرر المادي سيكون الفيصل في قرار انسحابها من العراق.

إن حق المقاومة العراقية في مهاجمة الوجود الصهيوني في العراق لا يعني وجود قوات حلف الأطلسي فحسب لكنه يشمل كذلك كل قوة عسكرية أسستها الصهيونية على أسس عرقية أو مذهبية مثل قوات البيشمركة أو داعش، ذلك لأن التحرر من الهيمنة الصهيونية لا يتم إلا باستئصالها هي وأذنابها. إن الدولة العربية الحرة لا تقوم بوجود جيوش على أرض العرب تناقض الوجود القومي للدولة العربية.

خاتمة لا بد منها

حين بدأت الصهيونية التجاوز التدريجي على جزيرة العرب وجنوب ما بين النهرين قبل مائتي عام كانت مدركة جيدا لحساسية احتلال جزيرة العرب لمكانتها الدينية بين مسلمي العالم. فتعاملت بذكاء وبطء مع الحالة فعقدت حلفا بين عبد الوهاب وأبن سعود مؤسسة بذلك أعرق حزب ديني المظهر سياسي الهدف تحت مظلة الوهابية والذي كان أبرع ما أنتجه العقل الانكلوساكسوني. ثم اقتطعت الكويت من العراق في أواخر الحكم العثماني له ضامنة بذلك منع العراق حقه الطبيعي في الوصول لمياه الخليج العميقة كما أكدت المصادر التأريخية على ذلك. وحين اكتشف النفط والغاز بكثافة عالية فإنها استعانت بعشائر من الأعراب وأسكنتهم في مناطق معينة على ساحل الخليج وجعلتهم أوصياء على محطات النفط والغاز وأفهمت تلك البيوت البدوية أن رخاءها وبقاءها مرهون بولائها المطلق للصهيونية. ثم ذهبت الصهيونية إلى مجلس الأمن الذي تتحكم به ونادت بهذه التركيبات الهجينة دولا.

إننا نعتقد أن الأمة العربية يجب أن تكون موحدة، وأن التركيبات الوهمية التي أوجدتها الصهيونية لا قيمة لها تأريخيا أو سياسيا. وأن توحيدها يجب أن يتم. وحيث إن من غير المتوقع أن البدوي، الذي يعتقد أن له الحق في نفط العرب لمجرد أنه جيء به وأسكن هذا الجزء من جزيرة العرب، سوف يتخلى عما يتمتع به من امتيازات وإن كانت ليست له ولكن هي لكل الأمة العربية، فإن الحل الوحيد هو توحيد أرض العرب بالقوة والتي يجب أن تتم برغم أنف الصهيونية.

شهد القرن التاسع عشر ثلاث عمليات توحيد لدول كبرى أود التذكير بها لعلاقتها بما أسلفـت. فحين قامت حرب توحيد أمريكا فإن ابراهام لنكولن لم يستشر شعب تكساس على سبيل المثال رأيه حول التوحيد وكان الأخير قد حمل السلاح ضد الشمال. ثم استمر لنكولن ليوحد أمريكا التي تحولت بعد مائة عام لأقوى دولة في تأريخ البشرية. وحين قام بسمارك بتوحيد الشعب الألماني فهو لم يسأل أحدا عن رأيه ليضع اللبنة الأولى في خلق ألمانيا التي تمكنت في جبروت طغيانها أن تحارب كل العالم. أما غاريبالدي فهو لم يسأل أيا من دوقيات إيطاليا حين جمعها بالقوة لتولد إيطاليا الجميلة التي نعرفها اليوم.

إن ما أردته من هذه الأمثلة هي أن الأمم توحد ليس بناء على رأي أجنحة أو طوائف فيها وإنما توحد على أساس الصالح العام. فلا يقولن أحد إن الأمثلة التي جئت بها لا تنطبق اليوم لاختلاف الحال، بل هي تنطبق لأن حقائق التأريخ تتكرر وقليلا ما تكون خاطئة.

عبد الحق العاني

25 أذار 2026

اترك تعليقاً