مسائل من القرآن

ما الفرق بين بني إسرائيل واليهود والذين هادوا؟ – الجزء الثاني

وكي لا يقولن قائل، يبحث عن مخرج لدعوته للتعاون مع اليهود خلاف أمر الله، بأن اللعن وقع في بعض اليهود وليس كلهم، فإني أذكر بأنه تعالى حين يقضي أمرا في قوم فهو يعمهم كلهم إلا إذا استثنى منهم من شاء أن يستثني، وخير دليل على ذلك ما قاله في الأعراب. فيقول عز من قائل: “الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ.” فلو لم يستثن بعد هذه الآية في قوله تعالى: “وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” لما سلم أعرابي من لعنته في الدنيا والآخرة لأن الآية الأولى كانت عامة شاملة!

إني لأعجب أشد العجب كيف يمكن لرجل دين يقرأ القرآن أو أي عاقل يتدبر الآيات التي جاءت فيما أخبرنا تعالى عن اختياره وتفضيله لبني إسرائيل ثم يقرأ الآيات في لعن اليهود وذمهم ثم ينتهي بالقول إن اليهود هم بنو إسرائيل؟؟

إن الخلل ليس في كتاب الله المعصوم وإنما في عقول الذين ادعوا الفقه ولم يكونوا قد تفقهوا.

ولا بد من التوقف عند الآيات التي تكشف عقدة انعدام الفهم والتمييز بين رجال الدين والسياسة على السواء وهي آيات السورة المسماة بسورة الإسراء أو بسورة بني إسرائيل كما تعلمت اسمها في طفولتي. تقول الآيات: “وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا، فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً،  ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا، إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا، عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرً.”

وقد استند لها عدد من العباقرة العرب، وما أكثرهم وأجهلهم بحمد الله، وعلى الأخص بعد هزيمة العرب في حزيران عام 1967 ويعاد ذلك الاستشهاد اليوم في محاولة بائسة لتفسير ما تفعله الصهيونية في أرض العرب والمسلمين على أنه تصديق لما جاء في آيات سورة الإسراء، وذلك في إيقاع ما قاله تعالى في بني إسرائيل على تجمع لشذاذ الأرض من نفايات ما خلق الله من دول أوربا الشرقية بشكل خاص ممن لا علاقة لهم بإسرائيل أو إبراهيم!

وقد استند عدد من أولئك الذين حاولوا تفسير الفشل العربي والطغيان الصهيوني لأحاديث موضوعة نسبت لنبينا الأكرم (ص) والتي لا يمكن لمن يمتلك معرفة بسيطة في التأريخ أو حسا بسيطا بلغة العرب أن يصدقها. لكننا حيث تطبعنا على قبول كل ما ينسب لنبينا الأكرم (ص) حتى إذا كان ذلك مخالفا للقرآن ولأبسط قواعد الأخلاق، ما دامت نسبة ذلك الحديث لمن تعده الأغلبية صادقاً، فلا عجب أن يكون الحديث عن تفسير آيات سورة الإسراء من ذلك الغث.

فإذا كان السلف معذورين في عدم التحقق من تأريخ الحدث عن نقل أي خبر لأنهم كانوا يعتقدون عن قناعة بأن من سبقهم لا يختلق حديثاً، فإن المعاصرين غير معذورين. فالخبر الذي نسب لنبينا الأكرم (ص) ظلما وتجنيا في تفسير مفترض للآيات الأولى من سورة الإسراء، وإن اختلفت صيغ نقله قليلاً إلا أنها تجمع على أن رسولنا الأكرم (ص) تحدث عما يعقب الفساد الأول لبني إسرائيل والذي وصفه تعالى بقوله: “بعثنا عليهم…” قد تحقق حين غزى نبوخذ نصر القدس وسبى أهلها وقتل الآلاف انتقاما لقتلهم يحيى بن زكريا (ص). لكن أي قارئ للتأريخ يدرك في دقائق أن نبوخذ نصر عاش خمسة قرون قبل ميلاد السيد المسيح (ص) وقد قدر المؤرخون أنه غزى فلسطين بحدود عام 587 ق م بينما لم يقتل يحيى بن زكريا إلا بين عامي 20 و30 م. فكيف يكون تعالى قد سلط نبوخذ نصر لينتقم ليحيى خمسة قرون قبل مقتله؟ أليست هذه الأكذوبة وحدها كافية لنسف الحديث المنسوب لنبينا الأكرم (ص) في تفسير الآيات؟

ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد حيث يخبرنا العليم العلام أن الذين سلطهم تعالى على بني إسرائيل بعد فسادهم الأول هم “عباد لنا”. لكن نبوخذ نصر وقومه لا يمكن تسميتهم بعباد الله لأنهم كانوا كفارا ضالين. فلو كانت الآيات أعلاه تخبرنا عن تسليطه تعالى لقوم على بني إسرائيل للزم أن يكون أولئك من المؤمنين لوصفهم بعباد الله.

وعجز المفسرون أن يبينوا لنا كيف وقع الفساد الثاني في قوله تعالى: “فاذا جاء وعد الآخرة…” حيث إنهم لم يبينوا لنا ما إذا قد وقع هذا قبل الوحي لرسولنا الأكرم (ص) أن يصرح بالقرآن، فان وقع فمتى كان ذلك. وإن لم يقع قبل التصريح بالقرآن فمتى سيقع. أم أنه كما يقول عدد من المعاصرين بأنه قادم في دمار الدولة الصهيونية في فلسطين ضمن خلطهم الغريب العجيب بين بني إسرائيل واليهود.

ولو أن كل ما كتبت أعلاه مطعون به لأي سبب فإن المهم حقاً في آيات سورة الإسراء هي أنها انتهت بقوله تعالى: “عسى بكم أن يرحمكم”. فمهما انطوت عليه الآيات التي سبقت من مدح أو ذم فإنه تعالى اختتمها بقوله بالرحمة. وحيث إن كل “عسى” يوقعها تعالى على نفسه لا بد أن تتحقق فإنه تعالى اختتم برحمته لبني إسرائيل ومن رحمه الله فقد أدرك الجنة ولا قيمة لأي حديث بعده. فكيف غابت هذه الحقيقة عن الأولين واللاحقين؟ “أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا”.

خلاصة

إن ما سبق يقودني للنتائج التالية:

أولا: إن إخباره تعالى لنا بني إسرائيل ليس إخبارا عن الذين هادوا أو اليهود، كما إن الإخبار عن الذين هادوا ليس عن اليهود. فكل من هؤلاء قوم، وقد يقع تداخل ما بينهم لكن الإشارة لا يمكن أن تفهم على أنهم واحد وشواهد القرآن على ذلك  واضحة كما بينت أعلاه.

ثانيا: إن تفسير آيات سورة الإسراء على وفق ما قاله السابقون والمعاصرون لا علاقة له بما قاله تعالى. ذلك أنه تعالى أخبرنا عن أحداث قضى أن تقع لبني إسرائيل دون أن يبين لنا متى وكيف ستقع، وعلمنا عنها قليل. وكل محاولة لتصويرها على أنها ما وقع على يد نبوخذ نصر وما سيقع للصهيونية لا صلة له بأمر الله في سورة الإسراء وإن العقل يقضي بعدم الاجتهاد في موضع الظن.

ثالثا: إن بني إسرائيل هم ذرية يعقوب من أبناء يوسف وإخوته.

رابعاً: إن الإيمان الذي فطر عليه بنو إسرائيل لم يكن محصورا بهم، فقد قال تعالى: “وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ.” والتي تخبرنا أن يوسف جاء قوما غير إخوته بالبينات فأمن بها قوم من غير ذرية يعقوب.

خامسا: إن الذين أخرجهم موسى (ص) من قبضة فرعون وطغيانه لم يكونوا من بني إسرائيل لوحدهم بل لا بد أنهم شملوا غيرهم ممن آمن بدين يعقوب في الفترة الممتدة بين يوسف وموسى (ص)، أي بمعنى أدق إن دين بني إسرائيل الذي آمنت به ذرية يعقوب لا بد أن آمن به آخرون كما هو الحال في أي دين.

سادسا: إن القوم الذين اتبعوا موسى (ص) من بني إسرائيل ومن معهم من الذين آمنوا بالبينات اسماهم تعالى (الذين هادوا) وهم الذين أشركهم تعالى مع الآخرين حين أخبرنا عن الأديان التي أوجد في منطقتنا.

سابعا: إن التوراة التي قال فيها عز من قائل: “إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ”، هي كتاب الذين هادوا كما إن القرآن هو كتاب المسلمين.

ثامنا: إن اليهود الذين لعنوا في القرآن هم ليسوا بني إسرائيل ولا الذين هادوا.  لكنهم القوم الذين كفروا بأنبياء بني إسرائيل وأنكروا توراة الذين هادوا. وهم القوم الذين ولدوا وعاشوا في بلاد الرافدين وكفروا وقتلوا الأنبياء وعصوا أمر الله كما حدث ويحدث في كل دين. وألف لهم أحبارهم كتاب التلموذ والذي أصبح كتابهم المقدس بعد أن أخفوا التوراة: “وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ”.

تاسعا: إن هؤلاء اليهود هم الذين عادوا السيد المسيح (ص) وأنكروه وأسلموه للرومان كي يصلبوه مدعين أنه ليس المسيح المخلص لأنهم أعرف الناس به. وهم الذين سكن منهم قوم جزيرة العرب وخانوا العهد مع رسولنا الأكرم (ص) وتآمروا عليه حتى أجلاهم عن أرض العرب بعد أن تمكن علي من حصنهم الأخير. فلعنهم تعالى في كتابه العزيز وسيبقون ملعونين ما دامت السموات والأرض.

فكل من لا يحسن التمييز بين بني إسرائيل والذين هادوا واليهود لا يجوز له أن يعظ الناس.

وفوق كل ذي علم عليم.

والسلام.

عبد الحق العاني

18 آذار 2026

اترك تعليقاً