ما الفرق بين بني إسرائيل واليهود والذين هادوا؟ – الجزء الأول
ليس الجواب على هذا السؤال وحده مما اختلط أمره وفهمه على المفسرين والفقهاء في الإسلام. لكن أهميته اليوم تكمن في أن الاستشهاد الخاطئ بالآيات القرآنية يستعمل اليوم لإعلام الجمهور بإرادة إلهية في تقرير ما يجري في أرضنا. فاذا كان الشارح لا يميز بين هذه المفردات ويعدها مترادفات فلا شك أن ضرر شرحه سيكون أكثر من نفعه من حيث إنه في خلطه بين بني إسرائيل واليهود والذين هادوا يشوه الرسالة الإلهية للمسلمين وهو يعتقد أن يفعل خيرا.
وقبل أن أكتب عن الفرق لا بد لي من تثبيت حقيقتين لهما ارتباط متصل بما سأكتبه.
فالحقيقة الأولى هي أنه تعالى لا يستعمل في كتابه مفردات مختلفة لتدل على الشيء نفسه فذلك ممتنع لامتناع قصوره في التعبير، أي إنه امتناع لامتناع. وهذا يعني أنه لا يمكن أنه تعالى حين يحدثنا عن اليهود إنما يريد أن يحدثنا عن بني إسرائيل أو الذين هادوا. ويعزز هذا أن ما يقوله تعالى في اليهود في آيات القرآن بعيد كل البعد عما يقوله تعالى في بني إسرائيل. وإرادته التي قامت قبل ظهور الخلق في عالم الشهادة لا يمكن أن يكون فيها تناقض.
والحقيقة الثانية تجيب على من يقول إن ما يبدو تناقضا بين آيات القرآن يمكن أن يفهم تحت باب القول بأن آيات القرآن قد ينسخ بعضها بعضا. وحيث إني كنت قد كتبت مقالاً مستقلا في معنى النسخ في القرآن فإني لن أعيده هنا، لكني أورد ملخصه في أن قدم القرآن المنبثق عن إرادته غير المخلوقة يقضي بأن ما من حرف في القرآن يمكن أن يبطل عمله في موضعه كما قال بعض الجاهلين بأمر الله، ذلك لأن ما جاز أن يبطل بعضه، كما هو الحال في معنى النسخ عندهم، يمكن أن يبطل كله. وهذا ممتنع!
فما الذي يخبرنا تعالى عنها؟
يذكر القرآن (إسرائيل) مرة واحدة في قوله تعالى: “كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ“. وليس في الكتاب ما ينص على أن إسرائيل هو نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (ص)، لكن المسلمين واليهود اتفقوا على أن إسرائيل هو يعقوب. ويؤيد ذلك ما اتفق عليه في أن بني إسرائيل ينتمون إلى اثنتي عشرة قبيلة ولدت كل واحدة منها عن أحد أبناء يعقوب الإثني عشر وهم يوسف (ص) وإخوته. ويخبرنا تعالى الذي “لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ” أنه اختار إبراهيم وذريته للنبوة بقوله: “وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ”. فتكون ذرية يعقوب من سماهم تعالى ببني إسرائيل. وهم ليسوا مذهبا أو دينا يعتقده من يشاء كما هو الحال في الإسلام والنصرانية والذين هادوا بل هم ذرية من صلب إسرائيل!
وهذه الحقيقة تقودنا للاستنتاج الأول في أن قول القائل إن اليهود هم بنو إسرائيل، كما اعتقده عدد كبير من المسلمين وقال به عدد آخر، هو خطأ تاريخي وديني. وسآتي لاحقا على شرح موسع للفرق بين الإثنين.
يذكر تعالى بني إسرائيل في عدة آيات في القرآن وأختار منها ما يلي فهي تكفي لما أريد تبيانه والآيات التي لم أذُّكر بها لا تختلف في مدلولاتها عما أقوله:
“ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ”.
” وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ”
“حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ”
” لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ”
” فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ ۖ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَىٰ عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ”
“وَقَضَيْنَا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا”
“وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ”
ويمكن لنا أن نستخلص من الآيات أعلاه وما يسندها من آيات وأحداث ما يلي:
- إنه تعالى اختار ذرية إسرائيل وفضلهم على العالمين وجعل فيهم النبوة والكتاب.
- إن بني إسرائيل هم من ذرية يعقوب الذين التحقوا بيوسف في مصر بعد أي أتاه الله الملك وعلمه من تأويل الأحاديث.
- إنه ليس في القرآن من دليل على أن الذين نجوا مع موسى كانوا من بني إسرائيل وحدهم.
- إن طائفة من بني إسرائيل كفرت لكنه تعالى أيد الطائفة التي آمنت فأزال التي كفرت أو أزال ذكرها.
- إنه تعالى قضى أن بني إسرائيل سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون فيها. لكنه تعالى لم يشر في الكتاب متى ستكون هذه الأحداث من الفساد والعلو كما أنه تعالى لم يبين لنا أن بني إسرائيل أقاموا دولة ما.
فما الذي يقوله تعالى عن الذين هادوا والذين ذكرهم عشر مرات في القرآن؟
إن أهم ما جاء في الذين هادوا بقدر تعلقه بموضوع هذا البحث هو أنه تعالى حين يحدثنا عن الأديان التي يعرفها أهل منطقتنا، وليس أديان بقية أهل الأرض، فإنه تعالى ذكر المسلمين في تسميتهم بالذين آمنوا ثم ذكر (الذين هادوا) وذكر النصارى والصابئة والمجوس فقال عز من قائل: “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ.”
وهكذا يبدو واضحا أنه تعالى حين أعلمنا عن الذين اتبعوا كليمه النبي الرسول موسى (ص) فإنه سماهم الذين هادوا ولم يسمهم (اليهود) كما تعارف عليه المسلمون لألف عام. وهذا عندي هو فصل الخطاب. ولا يعنيني كثيرا ما يقوله مفسر للقرآن أو مدع للفقه بأن اليهودية هي دين موسى (ص) فلو كان الحال كذلك لما أعلمنا تعالى بخلاف ذلك في أكثر من آية ولقال لنا (إن الذين آمنوا واليهود والنصارى….). لكنه تعالى أبطل كل اللغو الذي تغص به كتب المسلمين الذين عرفوا كيف يحرفون الكلم عن بعض مواضعه.
ولو لم أكن اطمع في أن يكون هذا المقال موجزا في شرح الفرق بين الألفاظ لخضت في موضوع لغوي عن أصل كلمتي اليهود والذين هادوا وبينت ما وقع فيه أهل اللغة من خلط بسبب تدخل مفسري القرآن والفقهاء في ذلك.
أما اليهود فقد ذكرهم تعالى في كتابه الكريم في ثماني آيات، وكلها في لعنهم وذمهم. فما من آية في القرآن جاءت في حمد اليهود. وأذكِّرُ بثلاثة منها:
“وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ”.
“لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ”.
“وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ”.
وهكذا لعنهم تعالى في الكتاب وتوعدهم بقتاله لهم ومن قاتله الله فهو في سواء الجحيم. ولا يغير هذه الحقيقة أي اختلاق لحديث يعارض أمر الله!
وللحديث صلة…..