لماذا الخَلقُ، وكيف؟ – 14

كيف بدأ خلق آدم؟

يختلف علماء الطبيعة اختلافا جوهريا مع القرآن حين يتعلق الأمر بخلق الإنسان، مما يلغي جدوى أية محاولة للتوفيق بين الإثنين كما حاولت فعله سابقا. وأصبح الحديث عقد موازنة للتمييز بين الإثنين.

إذ أتابع منذ عقود التطور في البحث في العلوم الطبيعية بتصنيفاته التي وضعها الإنسان وأخص منها ما يتعلق بالبحث في موضوع جزيئات الذرة الذي شغفني منذ صغري. وقد أدهشتني مقدرة العقل البشري، التي وضعها تعالى في عقل الإنسان، في استنباط وتفسير مظاهر الخلق.

لكني برغم ذلك وجدت أن أوهى ما توصل له العلم هو ما عرف بنظرية التطور والتي نسبت للعالم البريطاني “دارون” وإن لم تكن نتاج جهده وحده بل هي نظرية تراكمت من أبحاث عدد كبير قبله وطورت من بعده بأبحاث كثيرة خصوصا بعد إدخال نتائج عالم الوراثة (مندل) الى نظرية التطور. إلا أن دارون عبر عن نظرية التطور في كتابه الموسوم بـ (Origin of Species)  والذي ترجم للعربية تحت إسم (أصل الأنواع) وإن كان يجب تسميته بـ (أصل الفصائل) حيث إن الترجمة الأدق لكلمة (Species)  هي (فصائل) ذلك أن كلمة (نوع) العربية تقابلها كلمة (Sex)  باللغة الإنكليزية.

كنت صبيا في (كلية بغداد) حين سمعت أول مرة بنظرية التطور حيث قام أحد زملائي بعرض النظرية بعد قراءته للكتاب في عطلة ذلك العام. ولم أكن يومها أمتلك ثقافة دينية ولم أكن قارئا للقرآن، لكني، برغم ذلك، لم أقبل نظرية تقول إن عقلي، على محدوديته، نتج عن تطور خلية واحدة لا يعرف أحد كيف ولدت فيها الحياة حين كانت ليست سوى جزء من “الحساء الكيمائي”، ولا يعرف أحد ما هي الذكاء العبقري الذي مكنها عبر ملايين السنين وملايين الاحتمالات والطفرات العشوائية أن تصل الى المخلوق الذي يمثلني.

وبدأت حياتي بدراسة علوم الطبيعة وتدبرت القرآن. وكلما توسعت فيهما تبين لي ضعف نظرية التطور في تفسير الإنسان. وبرغم أن نظرية التطور تجد قبولا لدى عدد كبير من علماء الأحياء إلا أنها واجهت طعونا من عدد من العلماء لا يقلون في مقدرتهم وحجتهم. ولو أن قاعدة (الشكوك) التي أثبتها الحسن بن الهيثم قبل ألف عام أساسا للبحث والقبول سادت هنا لوجب إعادة النظر في النظرية أمام الشكوك التي جاءت بها الاعتراضات العلمية والأدلة التي عجزت النظرية عن تسويغ نفسها أمامها. وهذا لم يحدث حسب اعتقادي لسبب واضح وهو أنه بنيت نظريات عديدة على نظرية التطور فأي تغيير في هذه الأخيرة يعني قيام حاجة لمراجعة كل تلك النظريات التي قامت على قبول التطور.

تقول نظرية التطور إن الحياة على الأرض هي عملية تطور للخلية الحية التي تمر في مراحل متعددة من الاصطفاء الطبيعي في الصراع لبقاء الأفضل. لكنه ليس هناك ما يدعم القول بوجود قانون طبيعي يقضي بأن الكون مبني على وجود هذه الحقيقة. وليس هناك من حجة عقلية تقضي بهذا كما إن البحث العلمي والرصد والقياس لا تدعم هذه المقدمة. بل إن العلم، كما سأبين لاحقا، لا يتفق مع هذه الفرضية بوجود قانون طبيعي كهذا.

ولما كانت نظرية التطور تقول بأن الخلية التي تحولت من خليط كيميائي الى حياة ثم مرت في ملايين السنين من التطور والطفرات كي تصبح الإنسان اليوم بعد أن أنتجت سلالات الحيوان الأخرى، فإن العقل يقضي بأن تلك الحياة البدائية المتمثلة في الخلية الواحدة الحية كان يجب أن تنقرض بعد تطورها وانتفاء الحاجة لها. لكنها لم تنقرض وما زالت موجودة اليوم كما كانت موجودة قبل 100 مليون سنة!

وإذا كان التطور سنة الحياة فلماذا يولد إنسان اليوم بالزائدة الدودية والتي يقضي التطور زوالها للتغير الذي وقع في غذاء الإنسان وتمكنه من العيش من دونها إذا ما تمت إزالتها؟

ويحضرني هنا تقرير علمي أطلعت عليه مؤخرا بين فيه العلماء أن نظرية التطور عجزت عن تفسير وجود (الذقن) عند الإنسان وانعدامه في الذين تعدهم النظرية أبناء عم الإنسان من القردة، حيث تقضي النظرية أن يشتركا في هذا.

وقد تكون هذه الملاحظات وما شابهها ليست حججا قاطعة في الطعن في نظرية التطور، لكني أتوقف عند طعنين علميين لم يوفق دعاة نظرية التطور الإجابة عليها حتى الآن، وهي وأن لم تكن قاتلة إلا أنها تصب في قاعدة “الشكوك” التي توجب البحث والرد.

أولهما هو تناقض نظرية التطور للحياة مع القانون الثاني لديناميك الحرارة: يكاد القانون الثاني لديناميك الحرارة يكون من أثبت القوانين التي استنبطها علماء الطبيعة وأدقها في تفسير الطبيعة وهو ينطبق ليس فقط على الفيزياء وإنما يشمل كل الأنظمة بما فيها الحياتية. واقتنع علماء الطبيعة أنه لم يجر اكتشاف أي استثناء من القانون الثاني في أي من فروع العلوم.

إن القانون الثاني لديناميك الحرارة يقول إن العشوائية/اللانظام في نظام مغلق تميل إلى الازدياد مع الزمن. فالأشياء تترك حالها المنظم وتتجه إلى التفكك. وهذا لا يحدث بالعكس أي إنك لا يمكن أن تعيد التفكيك للأصل. لكن التطور الحيوي يقول إن الحياة انتقلت من أشكال بسيطة إلى كائنات شديدة التعقيد. وهذا يعني زيادة في التنظيم والتعقيد لكن القانون الثاني يقول إن الأنظمة تتجه إلى زيادة العشوائية. إذن: فإن التطور يخالف القانون الثاني للديناميكا الحرارية.

وهكذا نصل الى نتيجة أن القانون الثاني لديناميك الحرارة ينص على أن كل نظام في الكون يميل الى الاستقرار في الانحدار وعدم التنظيم فإن نظرية التطور التي تقول بأن كل نظام بما فيها الحياتي منها سوف يتطور للأفضل فهو في هذا الحال لا يتصرف على وفق القانون الثاني.

وثانيهما هو استحالة قيام الحياة تلقائيا من الخليط الكيميائي: ذلك أن علماء الأحياء قالوا بأن الخليط الكيميائي الذي نشأ بعد “الانفجار الكبير” أنتج المواد الأولية المطلوبة للخلية. بل إن عددا منهم كانوا وما زالوا يبحثون عن هذه المواد الأولية التي يعدونها مكونات أساس للحياة في النيازك. ولعمري لا أدري لماذا لا يفترضون أنها وجدت على الأرض كما وجدت على النيازك التي يبحثون فيها!

ثم إن هذه الخلية تحولت تلقائيا إلى وجود حي. لكنهم عجزوا نظريا، كما عجزوا عمليا في أحداث ذلك مختبريا، في توضيح الكيفية التي ولدت فيها الحياة. ذلك لأن الحياة تختلف عن الوجود المادي الذي بنيت عليه الذرة التي أوجدت الخلية والتي تمكن العلم من دراستها واستنباط القوانين لها. فالحياة نظام معلومات مستقل عن الوجود المادي للذرة. إن عجز علماء الأحياء عن إيجاد العلاقة بين النظام المادي للخلية ونظام المعلومات للحياة فشل واضح. إذ أن علماء التطور لم يبينوا كيف نشأت الحياة عن حساء كيمياوي فلو صح ذلك لأمكن اليوم خلق الظرف لعمل ذلك مختبريا.

إن نظرية التطور عاجزة علميًا عن تفسير كيف بدأت الحياة من “حساء كيميائي”. فبرغم مرور عشرات السنين لم تنتج حياة في المختبر حتى بكل التقنيات المتقدمة والتحكم الدقيق بالظروف. بل إن كل المحاولات لم تنتج سوى تفاعلات معزولة.

ثم إن المشكلة الأكبر هي أن الحياة لا تنتج فقط من توفر الجزيئات والطاقة معا بل يجب توفر المعلومات المشفرة وهي التي لا يعرف العلم عنها الكثير. ذلك أن DNA   ليست كيمياء فقط.  ثم أقر العلماء أنهم أمام دائرة مغلقة ذلك أن البروتينات تحتاج DNA كما أن DNA تحتاج البروتينات، فكيف اجتمع الإثنان معا لتكوين الحياة؟ إن الحقيقة هي أن علماء الأحياء عرفوا الكثير عن الكيمياء الحيوية لكنهم لم يعرفوا كيف بدأت. وحين عجز دارون عن إيجاد تفسير قال بانه لا بد أنه كانت هناك حياة سابقة.

وللحديث صلة……

عبد الحق العاني

www.haqalani.com

6 شباط 2026

.

اترك تعليقاً