ومنهم من قال إن الحروف هي أول ما خلق الله، وجاء لتسلسل خلقها عللاً
وقصصاً سواء أكان ذلك بالقول إنها جاءت على أ ، ب ، ت أم جاءت أبجد هوز،
وليس من دليل قرآني أو عقلي على ذلك. بل إن القرآن ينقض هذا القول حيث إنه
أكد أن أول ما نطق به هو “كن”، فلو صحت رواية بداية الخلق بالحروف لوجب
أن يكون حرف “الكاف” أول المخلوقات! فخلاف ذلك يعني أنه أوجد حروفاً قبل
“الكاف” ولو كان ذلك صحيحا لكان قد أوجد شيئا قبل “كن” وهذا ممتنع بالنص
لأن ما سبق في النطق سبق في الوجود.
وهذه الأفكار وما شابهها كما يبدو نشأت حين اعتقد المتدبرون لأمر الخلق بأن
خلق الإنسان وقع عند خلق السموات والأرض فوجدوا أنفسهم بحاجة لإيجاد علة
أو مسبب لخلق الإنسان من خلال تصور “العقل” أو “الحروف” أمثلة للتعبير عن
صورة الإنسان عند خروجه من عالم الغيب الى عالم الشهادة في ذلك القِدم. ولو
أنهم أدركوا أن خلق الإنسان وقع في زمان مختلف جدا عن زمان خلق السموات
والأرض لما تكلفوا في إيجاد الروايات عن خلق العقل الأول وما شابهها. وكان
حريا بالفقهاء أن يدركوا ذلك وهم يقرؤون القرآن. وبرغم أني سأكتب في خلق
الإنسان لاحقاً إلا أني أذكر هنا بأنه كان على الفقهاء أن يتوقفوا عند قوله عز من
قائل: “وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن
يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ
تَعْلَمُونَ.” فيتبين لهم أن خلق الإنسان تم في زمان كانت فيه السموات والأرض
قائمة والملائكة على أرجائها مما يعني أن كثيرا قد حدث بين خلق السموات
والأرض وخلق الإنسان. كما أن جهل الفقهاء بالملائكة ودور العقل الأول في
وجودهم كافٍ للتوقف عن التكهن عن أول خلق!
هذا إضافة إلى قوله تعالى: “لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ
أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.” وحيث إنه تعالى مُبدعٌ أبدأ فلا بد أن خلق الإنسان جاء
في درجة ثانية للإبداع في خلق السموات والأرض لأنه لو كان خلاف ذلك لقلنا
إن خلقه تطور وهذا لا يحدث له تعالى لأن التطور يعني أن في الإمكان أفضل
مما كان وهذا ممتنع على الكمال! ولا شك أننا سوف نعرج لاحقا على نظرية
التطور التي تبناها علماء الطبيعة وبنوا عليها الكثير.
وقد نتج عن خلط الفقهاء بين خلق السموات والأرض وخلق الإنسان أنهم انتهوا
للقول، أو أوحوا بالقول، إن السموات والأرض خلقت في وقت مقارب لخلق
الإنسان. وبما أنهم قدروا بأن خلق آدم وقع قبل بضع آلاف من السنين فإنهم
قدروا أن هذا عمر السموات والأرض مما عابه عليهم علماء الطبيعة بحق. وهم،
أي الفقهاء، خاضوا فيما لم يكن لهم حق الخوض فيه فانتهوا كما وصفهم تعالى
في وصف الجاهل المتخبط: “أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ
مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ
يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ.”
وحين نطق تعالى فإن أول نطق له أوجد الحركة التي نقلت “كرسيه” من عالم
الغيب الى عالم الشهادة. وحيث إن الكون الذي وسعه “كرسيه” لا حدود له فإن
الحركة التي خلقت لا حدود لها اي ان الكون كله انتقل من عالم الغيب الساكن
الى عالم الشهادة المتحرك وأصبح لا يمكن لشيء إلا أن يكون في حركة “يَسْأَلُهُ
مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ”. ولست هنا أبحث في شكل هذه
الحركة فهذا أمر آخر لا يهمنا هنا قدر ما يهمنا أن نفهم أن الحركة مستمرة وان
الكون المطلق في حركة وانتقال في استغراق زمني يقتضي أن يكون نسبيا في
إحساسنا به، لذا فإن ما نراه من ضوء يأتي من أطراف الكون اليوم قد صدر من
ذلك الطرف قبل عدد خيالي من السنين بحسابنا، وقد يكون المصدر غير موجود
حقاً في لحظة مشاهدتنا له لأنه زال قبل ألف ألف عام على سبيل المثال. ولعل
الأصعب من هذا هو أن نتصور أن في الكون هذا ضوء قد لا يصلنا أبدا لأن
الكون لا متناه وهو في توسع مستمر ومعجل فإن الضوء الصادر من طرف في
الجزء اللامتناه قد لا يصل للطرف الآخر أبدا!
ومن توقف قليلاً عند هذه الحقيقة أدرك عظمة مُوجد هذا الكون وأدرك قصور
عقلِ هذا الناظر الضعيف.
وحين بدأت الحركة في الحيز المطلق والتي سماها علماء الطبيعة بأنها “الإنفجار
الكبير”، حدثت أمور ما زال أولاء العلماء في حيرة في تفسيرها وهم في تغيير
وتبديل للنظريات حسب ما يتوصلون اليه من دراسات ورصد وقياس، فيوماً قيل
لنا إنهم قدروا عمر الكون بحدود 13 ألف ألف ألف سنة مما نعد، فاذا بهم اليوم
يقولون إن آخر صور للمجرات القديمة في الخلق تشير الى احتمال أن يكون
عمر الكون في واقع الحال ضعف أو ضعفا ذلك الرقم!
وهذه معلومات ليست مهمة بالنسبة لنا في فهم الكون وما صدر عنه وما موقعنا
فيه، لأن هذه الأرقام هي أرقام فلكية في كل حال وليس من فرق للعقل البشري
بين 13 ألف ألف ألف وضعفه، إذا كان المراد الفهم بأن الخلق قديم.
والذي حدث عند بداية الخلق حسب نظرتي هو أن الطاقة التي اودعها تعالى في
الحيز المطلق “كرسيه” تحولت الى المكونات الأساس للمادة. ويقول علماء
الطبيعة أن الخليط الذي نتج عن “الإنفجار الكبير” تحول بفعل الضغط والحرارة
الى المكونات الأساس. وهذا لا يتعارض مع المقاربة القرآنية له. فقد وصفها
تعالى عند خلقها بقوله: “ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا
طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ”.
فاذا كان كل عنصر يتكون من مكونات مماثلة من “البروتونات” و”النيوترانات”
و “الإلكترونات”، ولا يختلف عنصرٌ عن عنصرٍ إلا في عدد هذه المكونات في
ذرة ذلك العنصر فليس من العسير تصور كيف شاء لها أن تجتمع فتكون كل
العناصر وسواء أكان ذلك التجميع تم حقاً بواسطة الحرارة والضغط أو بواسطة
أخرى فالنتيجة واحدة إذ ان علماء الطبيعة غير قادرين على تفسير الطريقة التي
تم بها تولد ذلك الضغط والحرارة ومن حَرَّكها وأطلقها في الأصل.
لكن شيئا من الاختلاف يقع في الانتقال من تكون العناصر الى ولادة الأرض
والسماء. حيث يقول علماء الطبيعة إن خليط السماء الملتهب بَرَدَ فولدت الأرض
وغيرها من الكواكب بينما بقيت شمسنا ملتهبة في هذه المجموعة. ويتفق علماء
الطبيعة مع القرآن في القول بان السماء والأرض كانتا واحدة قبل أن تنفصلا.
وهذا لا يختلف عن قوله تعالى: “أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ
كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ”.
لكن القرآن يُحدّث بقصة أخرى عن تلك التي يُحدّث عنها علماء الطبيعة في
انفصال الأرض عن السماء، فيقول عز من قائل: “قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ
الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِين،َ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن
فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى
السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ،
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا
بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ”. وهذا يعني انه تعالى خلق الأرض
والسموات معا خلافا لما يقوله علماء الطبيعة بإن الأرض حديثة عهد إذا ما
قيست بالسماء. وإن كان علماء الطبيعة يتفقون مع القرآن في أن السماء كانت
مكونة من غازات قبل أن تبرد. حيث يخبرنا القرآن أنه قضاها سبع سماوات في
يومين، وأيا كان مقدار ذلك اليوم الذي قسم فيه السماء فإنه لا شك يشير الى زمن
اقتضى لذلك الدخان أن يبرد.
وأخبرنا تعالى في الكتاب أن خلق الأرض جرى في يومين وأخذ تقدير أقواتها
يومين. ولم يصرح تعالى ما اليوم الذي قاس به مدة الخلق أهو يوم من أيام
الأرض؟ وكيف يقاس يوم خلق الأرض بيوم الأرض الذي لم يكن بعد قد تحقق
لعدم وجودها بعد؟ أم أن اليوم الذي خلق فيه الأرض هو ألف سنة: “وإن يوما
عند ربك كألف سنة مما تعدون”؟ أم ان يوم الخلق مقداره خمسون ألف سنة: “
تعرج الملائكة والروح في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة”؟
والسؤال الذي أتعب علماء الطبيعة ولم يجدوا له جوابا يرضي هو من أين جاءت
الطاقة في النقطة التي انفجرت أولا. فأول قول لهم كان أنها هكذا وجدت، لكنهم
سرعان ما وجدوا أن هناك إشكالا في هذا القول لأن تلك النقطة قضت بوجود
محدود للمادة والطاقة وهذا المحدود لا يمكن له أن يمتد ويغطي الكون المتوسع
حيث إن المحدود لا يمكن أن يملأ اللامحدود. ثم عدّلوا ذلك فقالوا إن “الطاقة
السوداء” والتي لم يعرفوا سبب وجودها بعد هي التي تؤدي الى توسع الكون
برغم محدودة مادة وطاقة الانفجار الكبير!
لكن القرآن أعطى حلا أبسط وأسهل. فما دام الجميع قد اتفقوا على عدم المقدرة
على تفسير المصدر الأول للطاقة فإن القول بأن الطاقة التي أودعها تعالى في
حيز “كرسيه” اللامحدود كانت ولا شك طاقة غير محدودة مما يفسر سعة الكون
وتوسعه المستمر ما دام النور الذي ملآه غير محدود فلم تعد مشكلة في تفسير
كيفية ملء اللامحدود.
وللحديث صلة……
عبد الحق العاني
www.haqalani.com
16 كانون الثاني 2026