لماذا الخَلقُ، وكيف؟ – 10

كيف بدأ الخلق؟ 

كنت قد بدأت بحثي في موضوع الخلق بالقول إنه تعالى كان ولا شيء معه، وحين أراد أن يعرف خرج عن تلك الإرادة الحيز الذي سماه لنا بعد خلقنا بـ “كرسيه” والذي وصفه بأنه وسع السموات والأرض فكان لازما أن يكون هذا الحيز هو المطلق المحيط بكل شيء إلا هو. 

حدث هذا دون حركة ودون أي انتقال فهو لذلك غير مرتبط بزمن وليس هناك حاجة للتعبير عن وقت وقوعه، ذلك أنه لا قيمة للزمن لأنه لم يكن موجودا كي يقاس به اي شيء. 

ثم أوجد تعالى الزمن. وهو، أي الزمن، ليس سوى إيجاد الحركة فليس هناك معنى للزمن دون حركة وليس للحركة من معنى دون أن تكون تلك الحركة مستغرقة لزمن ما. فكان أول الخلق. ولا يمكنني أن أكتم عجبي في أن فلاسفة المسلمين الذين سودوا مئات الصفحات يعلقون فيها على الفكر الفلسفي اليوناني لم يتوقفوا عند الحقائق القرآنية كي يشتقوا من اللغة العربية الثرية، وكان من حقهم ذلك، كلمة مثل (الزمكان) للتعبير عن حقيقة وحدة الزمان والمكان في الخلق. ولا أدري سبب عدم فعلهم ذلك: أكان خوفا من طعن الفقهاء بهم وهو الخوف نفسه الذي منعهم من الحديث علناً عن الفلسفة بل استتروا في ذلك بالادعاء بأنهم يعلقون على فكر اليونان، أم كان السبب عدم إدراكهم لحقيقة وحدة الزمان والمكان! 

ولا بد هنا من وقفة عند كلمة “الخلق” حيث إن جذرها في الفعل الثلاثي “خَلَقَ” لا يُعرّفُ فقط كما جاء في معجمات العربية، والتي لعب عدد من الفقهاء دورا كبيرا في تكوينها وهي المشاركة التي لم تكن موفقة دائما، بل يحدد القرآن محتواه. وهكذا يجب أن يفهم وليس للفقهاء وأصحاب الحديث أن يضيفوا شيئا لذلك، فخالق اللغة هو خالق الكون. 

فقد وصفه تعالى في محكم كتابه الكريم في خلقين: خلق من لا شيء وخلق من شيء، وكلاهما سماه تعالى “خلقا” وهكذا يجب أن تفهم الكلمة. 


2 / 4

فقال عز من قائل: “ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ “. وحيث إنا خلصنا إلى أنه كان ولا شيء معه فهذا الخلق جاء من لا شيء. فلو لم يكن كل شيء قد خلق من لا شيء لوجب أن يكون هناك معه غيره وهذا مناقض للأحدية مما يوجب أن كل ما وجد بعد أن أراد أن يعرف إنما جاء من لا شيء. وفصل لنا تعالى في القرآن أن مظهر الخلق في عالم الشهادة خلقان: خلق من لا شيء وهو الأصل وخلق من شيء، وسمى الإثنين خلقاً. 

فأما الخلق من لا شيء فشاهده قوله تعالى مخاطبا زكريا (ص): “قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا”، وهو هنا يشير لخلق جوهر زكريا وليس جسده الذي خلق من طين لازب.  

أما الخلق من شيء فشاهده قوله تعالى لنبيه الأكرم عيسى بن مريم (ص): “وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي”. 

فكيف وقع أول خلق؟ 

إن الانتقال للحديث عن خروج عالم الشهادة للوجود بعد أن كان جزءً من الإرادة الإلهية ليس سهلا وقد لا تتمكن لغتي أن تعبر عن ذلك بدقة. فقد كتبت أن “كرسيه” غير متناه حيث إن إرادته غير محدودة فلو كانت محدودة لكان بالإمكان الإضافة إليها وهذا نقص يتناقض مع الكمال. ووجود هذا الحيز لا يختلف عما قاله علماء الطبيعة في وجود نقطة بداية للانفجار الكبير الذي نتج عنه الكون. لكن “كرسيه” يختلف عما قاله علماء الطبيعة في أنه غير متناه بينما قال علماء الطبيعة إن الانفجار نتج عن نقطة! 

ان القبول بأن “كرسيه” الذي وسع السموات والأرض غير متناه قد يجيب على عدد من الأسئلة التي لم يتمكن علماء الطبيعة بعد من الإجابة عليها بشكل علمي وقاطع، مثل عدم المقدرة على فهم حقيقة ما أسموه ” الثقب الأسود” وما إذا كان حقا له وجود، وعدم المقدرة على فهم “المادة السوداء” وحقيقتها ومصدرها، وعدم المقدرة على فهم لغز “الطاقة السوداء”، وهي جميعها في نظرياتهم نتيجة “الانفجار الكبير” والذي ما زال هو موضع تنازع! 


3 / 4

لكن الأصعب في التوضيح هو محاولة التعبير عن حقيقة أن “كرسيه” لم يكن قد ظهر في عالم الشهادة بعد، إذ أن لا تناهيه كان في غيب إرادته تعالى في أن يعرف. ذلك أن الظهور في عالم الشهادة يقتضي “الزمكان” والمشاهد، وهذا لم يكن قد تحقق لأنه من الخلق، والخلق لم يكن قد وقع بعد. كما أنه تعالى لا يمكن أن يكون مشاهدا ليتحقق عالم الشهادة فهو تعالى خارج “الزمكان” الذي يقتضيه عالم الشهادة ذلك. 

فدلنا العزيز الحكيم كيف وفع الخلق في قوله: “إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ”. فوجب أن أول الخلق كان في نطقه “كن” لأنه أخبرنا أنه كذلك أوجد الشيء من لا شيء وحيث إننا قد خلصنا للتو انه أوجد كل شيء فإن أول شيء أوجده كان في نطقه بـ “كن”. ولو لم يكن الأمر كذلك لوجب أن شيئا ما وجد قبل نطقه بـ “كن” وهذا ممتنع لأنه يقضي أن خلقاً سبق إرادته في الإيجاد. وهكذا فإن “كرسيه” الذي وجد في الغيب عند أرادته أن يعرف خرج للوجود في عالم الشهادة بين الكاف والنون!

وهذا القول المستند الى حكمه في القرآن ينفي عددا من الأقوال عن أول شيء خلقه تعالى. فقد قال من قال إن أول ما خلق الله العقل ونقله كُتّابُ المسلمين كأنه من الأفكار الفلسفية التي لا تنازع فيها واسترسلوا في حديث لا يستند لآية أو حكمة. وهذا القول في حقيقته منقول عن الفكر اليوناني والذي لا يؤمن بالله وكان لزاما عليه أن يأتي بتفسير للإبداع فجاء بأن أول موجود هو العقل. ونقل عدد من كتاب المسلمين الأوائل أقوالا لم ينسبوها مفادها (أنه تعالى أول ما خلق العقل فقال له فأقبل وقال له أدبر فأدبر، قال بك أعاقب وبك أجازي…) أو قولا مشابها لهذا. وذهب هذا القول مذهب المسلمات ولم أقرأ لأحد من شرح لنا: متى وقع الخطاب وأين؟ وما هو دور هذا العقل الأول في الكون؟ وما هو دور هذا العقل الأول في عقل أي إنسان؟ وغيره مما يتطلب الشرح كي يعطي معنى لخلقه الأول الذي بنى عليه الخلق كله.  

ولو توقف فلاسفة المسلمين قليلاً لوجدوا انه تعالى لم يذكر كلمة “العقل” في القرآن وإن كان جاء بالفعل “يعقلون”، وانه تعالى لو أراد ذلك لذكره ولو مرة واحدة كما فعل في ذكر “الفؤاد” و “الأفئدة” و “القلوب” في أكثر من آية. بل إنه تعالى أخبرنا في القرآن أبعد من ذلك في تجريد العقل من فاعليته في الإيمان فقال عز من قائل: “بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلاَّ الظَّالِمُونَ”، ولم يقل في عقول المؤمنين إذا كان العقل أكرم الخلق وأوله. 


4 / 4

وهذه الحقيقة الإلهية التي أعلمنا بها تعالى قبل ألف عام في أن الإيمان نفث في القلب، وليس علاقة كهربائية كيميائية في الدماغ، أصبحت اليوم نظرية يتحدث بها الأطباء وعلماء الأحياء في قولهم إنهم اكتشفوا مؤخرا “عصيبات” “Neurons” في القلب كتلك الموجودة في الدماغ. وإنها تعمل بمعزل عن الدماغ، بل ذهبوا أبعد من ذلك وسموها “دماغ القلب” واعترفوا أنهم في أول الطريق في فهم هذا الباب الجديد، وهناك الكثير مما يبحثون عنه بعد هذا. يقول العليم العلام: ” أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”. فأعطى القلب صفة العقل!

وللحديث صلة…… 

عبد الحق العاني

www.haqalani.com

25 كانون الأول 2025

اترك تعليقاً