لماذا الخلق، وكيف؟ – الجزء الثامن 

الزمن ونسبيته في القرآن

إن مفاهيم المادة والطاقة والزمان والمكان، وهي المظاهر الرئيسة في الخلق، مترابطة بحيث لا يمكن الحديث عن أي منها بمعزل عن الأخر. وقد أهتم الإنسان بها وتفكر فيها منذ القدم.

وشهدت العقود الأولى من القرن العشرين نشاطا جادا في دراسة الطبيعة والبحث النظري والعملي فنتج عن كل ذلك وضع نظريات لعمودين أساسين من أعمدة علم الطبيعة في النظرية النسبية والفيزياء الكمية والتي بُنيت عليها كثير من الوسائل والأجهزة التي نعتمدها في حياتنا اليومية.

لكن الذي يعنينا هنا من ذلك هو النظرية النسبية التي استنتجت أن الزمان مرتبط بالجاذبية في أنه يبطأ حين تشتد الجاذبية. وقد وصف الدكتور جيم الخليلي ذلك كما يلي: “فيمكننا القول بأن سبب سقوط شيء إلى الأرض هو أن ذلك الشيء يجري الى حيث يبطأ الزمن، أي إن هذا الشيء يحاول أن يشيخ ببطء. أليس هذا جميلاً”

والذي يهمنا في هذا المقال هو نسبية الزمان في القرآن كحقيقة ومدى اتفاق ذلك مع ما توصل له علماء الطبيعة.  وقد كتبت أن الزمان لم يبدأ حين أخرج تعالى “كرسيه” لأن الخلق لم يكن قد وقع. والزمان لم يبدأ إلا مع وقوع الخلق في نُطقه تعالى بـ “كُنْ”.

ولا أعتقد أن المسلمين الأوائل كتبوا كثيرا في نسبية الزمن التي جاءت في القرآن برغم الآيات في ذلك وتذكيره تعالى للنسبية بنص واضح في احدى الآيات.  وأعرض هنا عددا من الآيات قبل إثارة أي تساؤل:

  • وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ
  • “قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِين، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ”
  • “….وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ”
  • “تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ”

وقادتني قراءتي للقرآن ومحاولة تدبره الى نتيجة مهمة في هذا الباب مفادها أن كلمة “يوم” في القرآن إلى جانب كونها مقدار زمن ما كما هو الحال في الآيات أعلاه فإنها كذلك “حدث” وليس قياس زمن فقط. وشواهد ذلك عديدة في الكتاب، منها قوله تعالى: “يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ” فهذه الآية لا تعني أن التغابن المشار إليه يقع في يوم من الأيام التي يعدها الإنسان وقوله تعالى: “يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ” فقيامهم لا يقع في زمن يعادل يوما مما نعده بل هو تعبير عن حدث، وكثير من الشواهد على ذلك.

أعود الآن الى معنى الزمن ونسبيته في القرآن فأقول إنه حين بدأت الحركة في “كرسيه” بالخلق المستمر وبتسريع مُعّجل، أصبح للزمن مفهوم مختلف في كل مرحلة ومكان من الخلق. لذا نجد أنه ليس هناك خلاف على تعريف اليوم الأرضي بمدة تختلف عن تعريف اليوم القمري والتي يفهما الناس دون أن يستعمل تعالى كلمة النسبية في التفريق بين اليومين. فالإنسان الذي يقضي يوما في القمر يكون قد قضى وقتا يعادل ما يزيد قليلا عن 29 يوما من أيام الأرض.

ولا بد أن يسأل سائل عن الإشارة للنسبية حين لم يرد لهذه الكلمة أثر في القرآن. وجواب ذلك أن استعمال الكلمة هنا جاء من باب الحاجة التي فرضها المصطلح العلمي وتداول الناس له. إن عدم ورودها في الكتاب لا يعني عدم المقدرة عن الوصول الى وجودها بدليل الوصف الذي استعمله النص القرآني. ولعل أدق قياس لها ما جاء في قوله تعالى: “إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا”. حيث يذكرنا تعالى بان ذلك الزمن الذي نعده بعيدا هو قريب في حساب الرحمن، وهذا عين ما نعنيه بالنسبية.

وقد ساد بين عدد من رجال الدين اعتقاد خاطئ أخذه علماء الطبيعة حجة عليهم لا لهم، مفاده أن الأيام الستة التي أشار تعالى إليها في خلق السموات والأرض هي الستة من أيام الأسبوع الذي نعرفه.  ولعمري لا أدري كيف مر هذا الاعتقاد وقُبل وهو خطأ واضح ومناقض لما جاء به القرآن.

يقول عز من قائل: “أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ”، وهذا النص القرآني، والذي لا يتفق مع ما استخلصه علماء الطبيعة في خلق السماء والأرض، كما سآتي عليه لاحقا، ينص على أن خلق السماء والأرض تم في وقت واحد وأن الأرض ليست سوى قطعة فتقت من ذلك الخلق الواحد. فإذا كان يوم الخلق، كما قال رجال الدين، هو يوم مما يعدون وهو دوران الأرض حول نفسها، فكيف يمكن أن تكون الأرض قد خلقت في يومين من دورانها حول نفسها وهي بعد لم تدر. أي بمعنى أدق كيف يمكن أن يكون خلق الأرض في قوله تعالى ” خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ”  قد تم في زمن لم يكن قد قام بعد لأن الأرض لم تكن قد دارت، وليس هناك معنى لقياس مقدار زمن لم يتحقق بعد!

ولم يكتف رجال الدين بهذا الخطأ الفاضح بل قلّدوا رجال الدين اليهود فقالوا إنه تعالى استراح في اليوم السابع، وهو القائل: “أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ”، فأوجدوا اليوم السابع ليولد الأسبوع الذي نعرفه الآن. لكن الواقع أنه لا وجود لهذا الأسبوع وهو اختراع لا مُسبب له. لأنه تعالى حدثنا عن ستة أيام. فإذا كان الخلق قد تم في ستة أيام، أيا كان مقياس ذلك اليوم، فنحن ما زلنا في اليوم السادس! لأنه لم يتوقف عن الخلق، وحيث إنه لم يتوقف عن الخلق فلا سبب لوجود يوم سابع. فما دام هو خالق أبدا فلا وجود ليوم آخر إلا حين يتوقف عن الخلق وذلك لا يحدث إلا: “يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ.”

ثم يقوم السؤال الذي جعل علماء الطبيعة يستخفون بما قاله رجال الدين معتقدين أن ذلك ما قاله الدين لكن تعالى لم يقله: “وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُواْ “. والسؤال هو ما معنى اليوم في خلق السموات والأرض وما علاقة ذلك بعمر الخلق؟  ولن أتكلم عن عمر الخلق هنا حيث قد أعود له لاحقا لكني سأقول شيئا عن معنى اليوم في الخلق.

وحيث إني ذكرت شواهد القرآن على تعريف اليوم مرة بأنه (الف سنة مما تعدون) ومرة (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) دون أن يكون (مما تعُدون) في الآية الثانية، فإن يبدو واضحاً أنه تعالى أراد أن يكون اليوم في كل من الحالين السابقين مختلفاً. وهذا لا يمكن أن يحدث إلا حين يكون مقدار اليوم في اختلاف، أي إنه ليس هناك تعريف ثابت لمقدرا اليوم في القرآن. فهو مقياس نسبي بالمطلق. وحيث إنه لم يأت شيء في القرآن عبثا فقد أراد تعالى أن يقع هذا الغموض في فهم مقدار اليوم.

فإذا كنا لا نعرف أيا أراد تعالى قياسا لليوم الذي جاء في خلق السموات والأرض فإن العقل يقضي أننا لا علم لنا بالزمن الذي تم فيه خلق السموات والأرض.

وهذا الاستنتاج يلغي القول الساذج لمن قاله من رجال الدين في أن عمر الكون بضعة آلاف سنة، ذلك لأننا لا نعرف حقا ما هو مقدار الزمن الذي خلق فيه تعالى السموات والأرض بين الكاف والنون.

فقد يكون كل يوم من الأيام الستة يعادل يوما من أيام معراج الملائكة والذي عرفه تعالى لنا بأن مقداره خمسين ألف سنة وإذا أجزنا لأنفسنا أن نقيس، ونحن عادة لا نقيس في أمر الله، فإننا نكون ما زلنا في الخمسين ألف سنة الأخيرة بعد انقضاء خمسة أيام مثلها مرت من قبلها.

وكي لا ننسى أن خلق السموات والأرض الموصوف أعلاه هو ليس عمر الكون لأننا لا نعرف متى بدأ تعالى بخلق السموات والأرض. إن إعلامه لنا أن الخلق أخذ ستة أيام، أيا كان طول ذلك اليوم بحسابنا، لا يعنى أن هذا هو عمر الخلق وذلك للأسباب التي سآتي على بعض منها لاحقا.

كما اننا يجب أن لا ننسى أن خلق الإنسان ليس مرتبطا بخلق السموات والأرض ولم يقع خلق الإنسان يوم خلقت السموات والأرض، لذا فإن حديث رجال الدين عن خلق آدم، على سبيل المثال، والذي استنتجوا منه عمر الخليقة لا علاقة له بعمر الكون كما أستنتج علماء الطبيعة في استخفافهم بما قاله رجال الدين.

وللحديث صلة…..

عبد الحق العاني

www.haqalani.com

7 كانون الأول  2025

اترك تعليقاً