لماذا الخَلقُ، وكيف؟ – الجزء السابع

الإلوهية والربوبية

لا يمكن لمن يتدبر القرآن إلا أن يتوقف عند حقيقة أنه تعالى أشار في آيات الى الإلوهية في قوله عز من قائل “اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ” و “وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ”. وأشار في آيات للربوبية في قوله: “رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ” و “ربي” و “ربكم”، وشواهد أخر كثيرة. ثم يسأل المتدبر: هل هناك فرق في اختلاف الإشارة وما هو السبب؟

وجواب ذلك أنه هو نفسه في السماء إله وفي الأرض إله وهو رب السموات والأرض، لا اختلاف في أحديته ووحدانيته كما انه هو الظاهر والباطن. لكن اختلاف الإشارة سببه وجود عالمي الغيب والشهادة. فهو رب في عالم الشهادة وهو إله في عالمي الغيب والشهادة.

وكنت قد كتبت حول (عالم الغيب والشهادة) وأوضحت أنه تعالى غيب غير مشهود في عالم الغيب وانه رب مشهود في عالم الشهادة المتجلي في “كرسيه”.

فاختار تعالى للإلوهية لفظة (الله) لتعريفنا بذاته واختصها لذلك فقال عز من قائل: “هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا”.

ثم اختار كلمة “رب” المعروفة عند العرب لتعريف نفسه في عالم الشهادة، كما فعل في استعمال كلمتي “نور” و”أحد” كما أسلفت. وكلمة “رب” عند العرب تطلق على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم (لسان العرب). ولهذا قال عبد المطلب بن هاشم وهو يغلق باب الكعبة، حين قدم جيش أبرهة لغزوها، (أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه).

واختار تعالى إسماً من أسمائه الحسنى قرينا لاسم الجلالة فقال “قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً” فخص اسمه الرحمن من بين أسمائه الحسنى، وأكد هذا الاختصاص في قوله عز من قائل: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا” فجعله إسماً لمظهر الربوبية. ولم يقل اسجدوا للقدير أو العزيز من أسمائه!

ومن توقف عند (البسملة) وجد أنه تعالى جعل (الرحمن) بدلا للفظ الجلالة وأتبعه بـ (الرحيم) المشتق من الرحمن. وسبب تقدم الرحمن على الرحيم أنه تعالى رحمن السموات والأرض بخيرها وشرها ولولا سبق الرحمن لما أستقام الخلق، ذلك لأن الرحيم اختصها للمؤمنين وحدهم فقال تعالى “بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ”. وليس أفضل شاهد على حفظه تعالى للخلق كله من قوله في الشياطين الذين كانوا يخدمون سليمان “وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ” فليس ذلك الحفظ لأنهم كانوا قد استثنوا من اللعنة التي وقعت عليهم مطلقا في قوله تعالى “إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ” وإنما كان لأنهم حفظوا كما حفظ كبيرهم (إبليس) لأن الخلق ما كان ليستقيم إلا كما جعله الله عليه، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.

وما أن بينت أن الله لا يُشاهد في غيب الإلوهية لكنه قد يُشاهد في رحمن الربوبية فلا بد أن يبرز السؤال عن إمكانية مشاهدة الخلق للربوبية في اسم الرحمن. وهذا السؤال القديم كان وما زال موضع تنازع بين المسلمين من قول قائل باستحالة مشاهدته وقول قائل يؤمن بالتأويل الحرفي للقرآن بأنه يُشاهد جالساً على عرشه!

ولن أخوض هنا في موضوع تأويل القرآن الذي أشار إليه تعالى في قوله: “وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم”. لكني لا بد أن أعرض الآيات التي تنفي إمكانية مشاهدة الخلق للإلوهية والآيات التي تبين إمكانية مشاهدة الخلق لمظهر الربوبية.

فشاهد امتناع مشاهدة الإلوهية قوله عز من قائل: “لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ”. وقوله تعالى “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”. وهذا يعني استحالة مشاهدة الإنسان للإلوهية لأن المخلوق لا يرى إلا شيئا شبيها به تنبعث منه أو تنعكس عنه موجة كهرومغناطيسية سواء أكانت منظورة، مثل الضوء، أم غير منظورة تمكننا أدوات مبتكرة على اكتشافها كما هو الحال في الأشعة تحت الحمراء على سبيل المثال. فإن لم يكن شيئا فلا يمكن للمخلوق مشاهدته. وضرب تعالى مثلا آخر على ذلك في نفي الشيئية عن الإلوهية في قوله تعالى: “وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ” فأثبت أن الله ليس شيئا حتى يعتقد مشاهد السراب أنه هو، لكن الحال هو أن السراب قاده الى الذي ليس شيئا.

لكن عدم مشاهدة المعبود بالمطلق تثير أكثر من تساؤل في عقل الباحث المتدبر. ويخبرنا العليم الحكيم في قوله: “وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ” وقد سبق وبينا أنه تعالى أخبر نبيه أنه أراد أن يُعرف فخلق.  فأعلى درجات العبادة هي المعرفة، فالإنسان المخلوق لا يعبد مجهولا غير معروف.

ولا يكفي الرد على هذا بالقول ان المخلوق يُشاهده بقدرته فقط ذلك أن إبليس أوتي القدرة حين مُنح (النظرة) وهي قدرة لا يعرف الإنسان حدودها فكيف له أن يميز مصدر تلك القدرة عند المشاهدة التي أخبره تعالى عن وقوعها.

وأعرض أدناه أمثلة من شواهد القرآن على إمكانية مشاهدة الخلق لمقام الربوبية في اسمه الرحمن:

  • “يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا”. وحيث إنه تعالى يخاطبنا باللغة التي أوجدها لنا فلا بد أن يكون هناك خطاب من الرحمن حتى يَهمس المشاهدون.
  • “يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لّا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا”. وهذا لا يمكن أن يكون إلا في مشهد. فليس في القرآن آية فيها نداء من الله أو خطاب في مجال مجهول أو بلغة رمز لأن كل قول منطوق.
  • “هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ” ولا يمكن لهذه الآية أن تؤوَل على أن إشارته تعني ظهور قدرته لأنه تعالى ذكر ذلك في قوله (أو يأتي بعض آيات ربك) ولا يليق به تعالى أن يفصل في الإشارة لمظهر منه بعد أن جاء بالإشارة للكل.
  • “وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا”. وليست هذه إشارة الى مشهد في عالم الخيال.
  • “وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ، إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ”. وهذه الآية عندي هي أسطع دليل على مشاهدة اسمه الرحمن في مقام الربوبية، ذلك لأنه تعالى يخاطبنا باللغة التي أوجدها لنا ولا يمكن أن يكون الخطاب غير ذلك. وحيث إن العرب لم تعرف استعمال (نظر الى) سوى بالعين فوجب أن تكون الوجوه الناضرة تراه بالعين في وقت ما.

وليس القول بإمكانية مشاهدة الربوبية في اسمه الرحمن هو انتقاص من تنزيه الإلوهية عن المشاهدة. ذلك لأن مشاهدة الظاهر لا تنتقص من غيب الباطن، كما هو الحال في أن مشاهدة وجه القمر المنير لا تنفي وجود وجه آخر له غير مشهود. ونحن نقبل ذلك لقناعتنا بأن القمر يدور حول نفسه بنفس السرعة التي يدور فيها حول الأرض. وهكذا يجب أن نفهم قوله بانه هو (الظاهر والباطن) لا يعني أننا يجب أن نشاهد الباطن حين نشاهد الظاهر.

إن المقدرة على التمييز بين مظهري الإلوهية والربوبية مع الإيمان الثابت بأحدية الذات تمكن من يتدبر القرآن وخلق السموات والأرض أن يجد عددا من الأجوبة لمسائل لا يمكن إيجادها دون ذلك التمييز حتى إن منها ما يدعو للشك بوجود تناقض في القرآن. وسوف يبدو شيء من هذا واضحا عند الحديث عن الخلق وكيف وقع كما سآتي عليه إن شاء الله.

وللحديث صلة…..

عبد الحق العاني

www.haqalani.com

20 تشرين الثاني 2025

اترك تعليقاً