مسائل من القرآن

متى كان موسى من الضالين؟

روى عدد من شيوخ الصوفية حديثا منسوبا لنبينا الأكرم (ص) مفاده (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين، كنت نبيا لا آدم ولا ماء ولا طين). وبرغم أني لا أتفق مع كل ما قالته الصوفية خصوصا وهي لا تمتلك فكرا صوفيا واحدا، إلا أني أرضى بصحة نسب هذا الحديث للنبي الأكرم (ص) لأنه يتفق مع فهمي لخلق الكون الذي أبحث فيه منذ زمن. 

ولم يلق هذا الحديث قبولا لدى الكثير من فقهاء المسلمين ورواة الحديث لأسباب عدة ليس أقلها عدم قبولهم لفكرة أن رسولنا الأكرم (ص) لا يستوي مع كان معه من رجال قريش! لكن هذا لم يمنع (مسلم) أن يأتي بحديث مشابه حين نقل إن رسول الله (ص) حين سئل: متى استنبئت؟ أجاب: (قبل نفخ الروح في آدم). 

ودون أن أخوض عميقا في تفسير هذا الحديث فإنه يمكنني أن أوجز فأقول إنه يعني أن الرسول النبي الأمي (ص) قد اختير نبيا ورسولا خاتما لأنبياء الله ورسله الى منطقتنا ليس في عام 610 م وإنما منذ خلق آدمنا في أدنى حال. وهذا لا يعني أن الله اصطفاه واختاره نبيا في إرادته تعالى حيث إن الكون كله موجود في إرادته قبل خروجها في عالم الشهادة. فوجودي أنا، على سبيل المثال، قائم في إرادته حين أراد أن يعرف. فإذا كان اختيار نبينا الأكرم (ص) كاختياره تعالى لي فهو لا يختلف عني ولا يغدو السؤال ولا الجواب ذا قيمة. إن الحقيقة هي أنه (ص) تم اختياره واصطفاؤه نفساُ نوريا منذ ذلك الوقت قبل أن يتجسد في بني هاشم نبياً.

وهذا الاصطفاء الرباني لا يمكن له أن يكون مع إمكانية أن يأثم نبينا (ص) يوما، سواء أكان ذلك قبل الإذن بتبليغ الرسالة أم بعدها “لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ.” ذلك لأن الكون الذي أوجده تعالى على ما هو عليه لا يسمح للمصطفى أن يأثم لأن الإثم يمتنع قيامه من قبل المصطفى للرسالة حتى إذا حاول الرسول ذلك!

ولكي أوفر على المعترضين مشقة صياغة الاعتراض فإني أود أن أوضح أن هناك فرقاً بين الإثم والخطأ. فالرسول معصوم من الإثم لكنه قد لا يكون معصوم من الخطأ الذي لا يشكل إثما. فمن اعتقد أن في القرآن ما يشير لخلاف ذلك فعليه أن يلتمس تأويلاً لذلك. وأكتفي بهذا القدر هنا حيث لي حديث مستقل في هذا الباب.

فإذا رضينا بأن نبينا الأكرم (ص) معصوم فهذا يعني أنه لا يمكن أن يكون يوما من الضالين الذين نهى الله عباده عنهم فختم صورة الفاتحة بقوله “ولا الضالين”.

ونحن مأمورون بأن لا نفرق بين أحد من رسله. لكنه حتى في غياب هذا الأمر الرباني فلسنا بحاجة له قدر تعلق الأمر بالرسول موسى (ص) والذي ذكره تعالى أكثر من أي نبي أو رسول في كتابه الكريم، بل إنه تفضل عليه بصفة لم يُكرم بها آخر حين قال عز من قائل: “وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا”، وهو الذي أعلمنا في موضع آخر من القرآن كيف يكلم البشر: “وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ”. 

فقد أعلم تعالى أم موسى بعد أن ولدته كي يحفظه من فرعون وقومه: “وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ”.

فكان موسى (ص) نبيا ورسولا عند ولادته إذا افترضنا أنه لم يكن كنبينا رسولا عند خلق آدم.

فكيف إذن قال لفرعون وهو يحاججه: “فعلتها إذن وانا من الضالين”؟

أي متى كان كليم الله موسى (ص) من الضالين؟

والسلام.

عبد الحق العاني

4 شباط 2026

اترك تعليقاً