“والسماء ذات الحُبك” – 2
وصف تعالى السماء بقوله “والسماء ذات الحبك” ولم ترد الكلمة سوى مرة واحدة في القرآن. لكن هذه الآية القصيرة اختصرت قبل ألف عام ما أجهد علماء الطبيعة أن يصلوا إليه كما أسلفت. فما في هذه الآية؟
أخبرنا ابن منظور في (لسان العرب) تحت باب (حبك) ما يلي:
“حبك: الحَبْك: الشَّدُّ. واحْتَبك بإِزاره: احْتَبَى بِهِ وشدَّه إِلى يَدَيْهِ…… والتحْبِيك: التَّوْثِيقُ. وَقَدْ حَبَّكْتُ الْعُقْدَةَ أَي وَثَّقْتُهَا……. وحُبُك الرَّمْلِ: حُرُوفُهُ وأَسناده، وَاحِدُهَا حِباك، وَكَذَلِكَ حُبُك الْمَاءِ وَالشَّعْرُ الجَعْدُ المتكسِّر؛ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبي سُلْمَى يَصِفُ مَاءً:
مُكَلَّل بعَمِيم النَّبْت تَنْسُجُه … ريحٌ خَرِيقٌ، لِضاحي مَائِهِ حُبُكُ
الحَبيكةُ الطَّرِيقَةُ فِي الرَّمْلِ وَنَحْوِهِ….. وَكَذَلِكَ طَرَائِقُ الرَّمْلِ فِيمَا تَحْبِكُه الرِّيَاحُ إِذا جَرَتْ عَلَيْهِ. وَفِي الْحَدِيثِ فِي صِفَةِ الدَّجَّالِ: رأْسه حُبُك، أَي شَعْرُ رأْسه مُتَكَسِّرٌ مِنَ الجُعُودة مِثْلُ الْمَاءِ السَّاكِنِ أَو الرَّمْلِ إِذا هبت عليها الرِّيحُ فيتجعَّدان وَيَصِيرَانِ طَرَائِقَ…….. وحُبُك السَّمَاءِ: طَرَائِقُهَا. وَفِي التَّنْزِيل: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ؛ يَعْنِي طَرَائِقَ النُّجُومِ، وَاحِدَتُهَا حَبِيكة…. وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي قَوْلِهِ: وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ؛ قَالَ: الحُبُك تكسُّر كُلِّ شَيْءٍ كَالرَّمْلَةِ إِذا مَرَّتْ عَلَيْهَا الرِّيحُ السَّاكِنَةُ، وَالْمَاءِ الْقَائِمِ إِذا مَرَّتْ بِهِ الرِّيحُ، والدرعُ مِنَ الْحَدِيدِ لَهَا حُبُك أَيضاً، قَال: وَالشَّعْرَةُ الْجَعْدَةُ تكسُّرُها حُبُكٌ، قَال: وَوَاحِدُ الحُبُك حِباك وحَبِيكة……
وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مُرّة يَمْدَحُ النَّبِيَّ، صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ:
لأَصْبَحْتَ خيرَ النَّاسِ نَفْساً وَوَالِدًا، … رَسُولَ مَلِيك الناسِ فَوْقَ الحَبَائِك
الحَبَائك: الطُّرُقُ، وَاحِدَتُهَا حَبِيكة، يَعْنِي بها السموات لأَن فِيهَا طُرُقَ النُّجُومِ. والمَحْبُوك: مَا أُجيد عَمَلُهُ. والمَحْبُوك: المُحْكَمُ الْخَلْقِ، مِنْ حَبَكْتُ الثَّوْبَ إِذا أَحكمت نَسْجَهُ…..
قَالَ شَمِرٌ: ….. وَكُلُّ شَيْءٍ أَحكمته وأَحسنت عَمَلَهُ، فَقَدِ احْتَبَكْتَه.”
ولا أدعي أني اطلعت على كل ما قاله الشراح أو أخذ به الفقهاء في تأويل وصفه تعالى للسماء بأنها ذات حبك، إلا أني أعتقد أنهم لم يحاولوا الذهاب لأبعد من القول بأنها طرق النجوم وهو قول عام لا يعبر عن كثير برغم أن العرب استعملت الكلمة بمعنى إحكام النسيج وإتقان الصنع وشده.
فالذي يبدو لي من هذه الآية الكريمة أنه تعالى يدلنا على أن السماء تتألف من نسيج محبوك يجعل كل ما يمر فيها يحدث أثرا فيه كذلك الأثر الذي تحدثه الريح إذا مرت على الرمل أو الماء أو كدرع الحديد المحبوك. وليس عسيرا أن نفهم أن هذا التموج الذي يحدث في نسيج السماء إذا مر فيه شيء لا يختلف عما تعب علماء الطبيعة كي يصلوا لاستنتاجه في النظرية النسبية من تحدب الزمكان عند مرور أي جرم سماوي فيه.
وحيث إن السماء في الوصف القرآني محبوكة كلها بهذا النسيج فإنه لا حاجة للحديث عن وجود فراغ في الكون كما كان مقبولا في القرون الوسطى حتى بين علماء المسلمين وهم يقرؤون القرآن، ذلك لأن السماء، والتي هي كل الكون المشهود مشدودة بهذا النسيج.
ولا بد هنا من ملاحظة قد تجيب عن استفسار عن الجاذبية على الأرض قبل قيام ذلك الاستفسار. ذلك أنه تعالى حين يحدثنا عن الأرض والسماء فإنه يميز بين الإثنين بسبب وجودنا على الأرض وليس خارجها، برغم قوله إن الأرض ليست سوى فتق عن خارجها بعد أن كانت رتقا. وذلك التمييز نسبي فقط أي انه ليس هناك فرق حقيقي بين الإثنين. فإذا وقف إنسان على سطح المريخ مثلا فإن الأرض ستكون بالنسبة له جزءً من السماء كما أن المريخ يبدو سماءً لأهل الأرض. وهذه الحقيقة تقود للقول بأن كل الحيز الذي سماه “كرسيه” محبوك.
وهذا النسيج الذي يشد كل ما في الكون ليس سوى النور الذي أودعه تعالى في “كرسيه” حيث قال: “اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ”. وهو عندي يفسر الظاهرتين التي قضى علماء الطبيعة قرونا كي يجدوا تفسيرا غير كامل لهما: أي الجاذبية والمادة السوداء.
ولست أدعي أني أعرف ماهية ذلك النسيج المحبوك الذي يشد الكون المطلق. لكن عدم معرفة ماهية شيء لا تنفي المقدرة على فهم عمل ذلك الشيء. وليس عندي الأداة ولا المعادلات الرياضية التي يمتلكها علماء الطبيعة والتي تمكنني من إثبات نظرتي في عمل حبك السماء على الأجرام السماوية أو الضوء الذي يمر فيها. لكني قادر على تصور حبك السماء على أنه نسيج متكامل من أضلع مترابطة بعقد ما بينها، يمتلك كل ضلع في ذلك المجال شداً معينا وكل عقدة قوة مختلفة. فإذا مر جسم في هذا النسيج فإنه سوف يطوي الأضلع التي تعترضه بمقدار يتناسب مع كتلة ذلك الجسم.
وهكذا يبدو من وصفه تعالى لكل ما نحن فيه وما يحيط بنا على أنه نسيج يشد الأشياء التي تعترضه وأن هذا الشيء ليس سوى الجاذبية. أي إننا لسنا بحاجة الى الحديث عن قوة خفية أو مجال خفي ليشكل “مجال الجاذبية” التي قال عنه آينشتاين إن ذلك المجال هو الذي يفسر ظاهرة الجاذبية في الكون.
فإذا صح هذا التأويل أمكننا القول إنه تعالى دلنا على الجاذبية قبل ألف عام من حديث نيوتن عنها وتوسع آينشتاين في التعبير عنها رياضيا. وهذا الاستنتاج لا يسلب علماء الطبيعة مجد جهدهم الكبير في البحث والخروج بالنظريات حولها، لكنه عندي يثبت قيمة القرآن وتثبيته، حين يفعل، لحقائق الكون الأساس.
ولا يتوقف تأويل حبك السماء على تفسير ظاهرة الجذب المحسوسة في الأرض والسماء حيث يفسر لنا حبك السماء ما هو الموجود في الكون، الذي يشكل ما يقارب 95% منه، والذي أتعب علماء الطبيعة حتى وصفوه بـ “المادة السوداء”. وأول ما أبدأ به هنا هو التذكير بأني إسميها “المادة غير المنظورة” لأنها هي كذلك وليست سوداء بأي حال، وأختصر الإشارة إليها هنا بـ “المادة”.
وإذا كنا نبني على ما وصفه علماء الطبيعة فإن الكون يتكون من هذه “المادة” بشكل أساس وكل ما سواها من الطبيعة التي نعرفها من نجوم وكواكب وغبار مجرات وحياة سواء على كوكبنا أو على كواكب أخرى ليست سوى جزء صغير من موجود هذا الكون لا يتجاوز نسبة 5% منه. وإذا قضى العلماء كل هذا الجهد وهم يبحثون في جزء من 5% من الكون ولم يصلوا الى نتائج قاطعة وحاسمة فكيف يا ترى سيتمكن العلم من فهم جوهر وعلة الجزء الأساس في الكون!
أعود للحديث عن “المادة” وعلاقتها بحبك السماء فأقول إنه تعالى أخبرنا أنه وضع نوره في السموات والأرض. فلا بد أن يترتب على هذه الحقيقة أن ما أودعه تعالى في الحيز الذي سماه “كرسيه” هو أعلى وأخطر من أي شيء آخر يمكن أن يوجد في هذا الكون. ذلك لأن النور منه وهو غير مخلوق ولا يمكن لما سواه من محلوق أن يضاهيه. بل إن العقل يقضي بأنه ليس في الكون سواه إذ لا يمكن أنه أودع في “كرسيه” شيئا الى جانب نوره لأن ذلك يعني أنه كان بحاجة لإتمام الوجود وهذا ممتنع عقلا.
فإذا قُبل هذا فإن “المادة”، التي سميتها سابقا، ليست سوى “النور” وهي لهذا ليست سوداء بل غير منظورة لأن جوهر نوره غير منظور كما أسلفت وإن كان قد خرج عنه الضوء المنظور كما خرجت عنه المادة التي نعرفها والتي شكلت هيكل الحياة. وهذه “المادة” تتخلل وجودنا ونمر من خلالها وتمر من خلالنا دون أي مشكلة كما وصف علماء الطبيعة مرور الكف المتكونة من “المادة السوداء” خلال منضدة خشبية دون أن اعتراض.
وقد يجد القارئ صعوبة في تقبل أن يكون “النور” الذي اعتاد على فهمه غير منظور لأنه تعود أن يعد “النور” ضوءً منظوراً. لكن هذا في ألأصل غير دقيق لأن “النور” الذي خرج عنه تعالى غير منظور في حقيقته لأنه تعالى غير منظور. أما ما سمح لنا رؤيته في الطيف المنظور فهو الضوء الذي نعرفه. ولو شاء تعالى أن يجعل أبصارنا تشهد ذبذبة مختلقة من طيف النور الواسع لكنا نرى اليوم غير الضوء الذي نراه، فقد كان ممكنا للعين أن ترى الأشعة الكونية أو الأشعة السينية على سبيل المثال. لكن العين التي شاء لها تعالى أن ترى لا ترى سولا جزء صغير جدا من طيف النور الواسع.
فأصبح عسيرا على طلاب علوم الطبيعة أن يستخفوا بمن يعتقد بوجود عالم للأشباح أو الجن أو الملائكة كما كان الحال قبل أن يثبت علماء الطبيعة بالنظريات والرصد وجود “المادة”. فقد كانوا يردون على قول رجال الدين بوجود هذه العوالم على أنها خرافات فإذا بهم اليوم يقولون بإمكانية وجود تلك العوالم.
لكن الحديث عن هذه العوالم لم يعد حديث خرافة وإن كان الكثير من حديث أهل الدين عنها فيه خرافة إلا أن جوهر حقيقتها ووجودها لا بد أن يكون مقبولا اليوم لدى علماء الطبيعة.
وقد أشار القرآن إشارات صريحة، وخفية أحيانا، الى هذه العوالم في الحديث عن الجن والملائكة على سبيل المثال. ولن أحاول الحديث عن الإشارات الخفية في تحقق الوحي المتكرر ذكره في القرآن. لكني أعطي نموذجا واحدا “للمادة” في السماء ذات الحبك بمقدار تعلقها بالملائكة.
إذ بخبرنا الرحمن أنه ثبت المسلمين في معركة بدر فقال: “بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ.”. فلا شك أن الملائكة ظهروا للمسلمين بشرا “وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ” ذلك أن تثبيت المسلمين وتعزيز ثقتهم ما كان ليقع لو لم يشاهدوا الملائكة بأعينهم.
إلا أنه تعالى يخبرنا في موضع آخر من الكتاب أنه أرسل ملائكة غير منظورين: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا” حين لم يقتض الحال تثبيت أحد أو تعزيز موقع.
ثم جمع تعالى بين الحالين في ظهور مشهود مع امتلاك صفة “المادة” فوصف زيارة الرسل لإبراهيم في صورة رجال وامتناعهم عن الأكل قي صفة الملائكة فقال عز من قائل: “وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ سَلامًا قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ، فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ.”
فسبحان من دل على نفسه بنوره ودل على نوره بالضياء.
وللحديث صلة……
عبد الحق العاني
www.haqalani.com
30 كانون الثاني 2026