“والسماء ذات الحُبك” – 1
إن من تدبر قوله تعالى “والسماء ذات الحبك” تكشف له من حقائق الخلق ما شغل علماء الطبيعة لقرون، ولم يتمكنوا من استنباط التفسيرات لها. وقبل أن أعرض فهمي لهذه الآية وما تنطوي عليه فإني لا بد أن أعرض ما وصل إليه علماء الطبيعة. وبرغم ما كتبت سابقا عن عدد من الآراء حول الكون إلا أني أضيف هنا في عرض آراء علماء الطبيعة ظاهرتين هما: الجاذبية والمادة السوداء، قبل تفسيري لما أعتقد أنه إشارة منه تعالى لنا لفهم الظاهرتين.
الجاذبية
كان أرسطو، وتبعه الأوربي ديكارت، قد قال بأنه لولا المادة لما كان للمكان من وجود بذاته! وأخذ أينشتاين هذه النظرة أبعد فقال إن الزمكان ليس سوى “مجال الجاذبية” الناتج عن الزمان والمكان. فلولا هذا الشيء الموجود في الزمكان لما كان هناك “مجال الجاذبية” فلا زمان ولا مكان.
وهذا الاستنتاج الفلسفي في حقيقته لم يولد عنده في يوم واحد بل إن آينشتاين نفسه قضى أربعة عقود وأصدر خمسة ملاحق لكتيبه الذي أصدره عام 1916 بعنوان “النسبية” ليشرح تراكم المعرفة في هذا المجال.
ويمكن تصور “مجال الجاذبية” شبيها للمجال المغناطيسي حيث يشاهد انتشار الحديد حول قضيب مغناطيسي. لكن الفرق بين المجالين هو أن المجال الكهرومغناطيسي الذي يعرفه طلاب الفيزياء والهندسة يحتاج لمجال الجاذبية كي يوجد لأنه من دون مجال الجاذبية لا يوجد “زمكان” كي يوجد فيه المجال الكهرومغناطيسي!
واستنتج آينشتاين أن قوة الجذب التي يحس بها أي جسم هي مقياس تحدب الزمكان حوله. وحيث إن الجاذبية تقاس بمقدار التحدب في الزمكان فهذا يعني أنها تؤثر على مرور الزمان كما على شكل المكان! وهذا بالنسبة لنا ونحن داخل الزمكان يبدو تباطؤا في الزمان وهو يشابه كثيرا ملاحظتنا لأشياء تسير بسرعة تقارب سرعة الضوء. وهكذا فإنه كلما اشتدت قوة الجاذبية كلما تباطأ الزمن بالنسبة لجسم أبعد من مصدر مجال الجاذبية.
ولم يكن البحث في الفيزياء الكمية، وهي الفيزياء المتعلقة بعالم الذرة وأجزائها، قد تطور عندما جاء آينشتاين بنظرياته. بل إنه حتى حين بدأت النظرية الكمية بالتطور كان آينشتاين أحد الرافضين لها ودخل في جدل طويل مع الفيزيائي الدنماركي (بور) حولها، إما لأنه لم يفهمها أو لأنها كانت ستسلبه بريق الشهرة أو تحد من فاعلية نظرياته.
ثم تطور البحث في الفيزياء الكمية بشكل ملحوظ في العقود الأولى من القرن العشرين. فولدت نظرية “المجال الكمي” شبيها بـ “المجال الكهرومغناطيسي”. وتطورت النظريات فولدت نظرية استبعاد فكرة التمييز بين فيزياء الجزيئات وفيزياء المجال في عالم الكم. فكما إن الفوتونات كانت شبه الجزيء في التعبير عن المجال الكهرومغناطيسي فإن جزيئات المادة مثل الإلكترون كانت تعبر عن “المجال الكمي”.
ثم تطور البحث فتم استخراج المعادلات الرياضية التي تصف “المجال الكمي” بشكل دقيق وهي المعادلات التي شرحت العلاقات ما بين الذرات.
فلدى علماء الطبيعة اليوم نظرية المجال الكمي التي تعطينا “المثال القياسي” لفيزياء الجزيء. وفي مقابل ذلك لديهم في النسبية العامة شرح للمثال القياسي للكون والذي يشمل الجاذبية.
والبحث اليوم ما يزال للتوفيق بين نظرية “المجال الكمي” التي تعبر عن عالم ما دون الذرة وبين النسبية العامة التي تعبر عن الكون الأوسع.
وولدت نظريات عن تلك المحاولات للتوفيق في “الجاذبية الكمية”. ومنها النظرية التي لا تنطلق من المجال الكمي وإنما تبدأ من النسبية العامة. فتقول بأن الزمكان نفسه وليس المادة التي يحتويها هو الأساس. فإذا قمنا بالنظر في المكان بعمق وصغر نصل الى نتيجة أن المكان ليس متواصلا ومستمرا كما نحس ونعتقد، وإنما هو من أجزاء كمية ثابتة مثل ما قاله بلانك عام 1900 بأن الحرارة في الحقيقة تنتقل على شكل دفعات وليس بشكل مستمر ومتصل، وهكذا فإن النظر الى المكان على أنه كميات كالكتل يقضي بأنه لا بد من الوصول الى كمية لا يمكن بعد تقسيمها.
فتكون كميات طاقة الجاذبية هي نفسها كميات المكان! وهذا يعني أنها ليست دفعات داخل المكان بل هي المكان نفسه!
واستنتج العلماء أن أصغر مقياس للمكان يمكن وجوده هو “معامل بلانك” والبالغ 10 مرفوعة الى القوة ناقص 35 من المتر الواحد. وهو مقياس يصعب تصور صغره. وهذه النتيجة تقود للقول بأن الوقت يجب أن يكون على شكل دفعات من الكم مثل المكان.
المادة السوداء
برغم أن علماء الطبيعة قضوا عقودا من البحث المضني في دراسة الكون إلا أنهم لم يكونوا يبحثون سوى في المنظور منه. لهذا فإن كل ما يعرفونه اليوم يتعلق بـ 5% مما حولنا بينما لا يعرفون إلا القليل عن الباقي وهو 95% من الكون. وهذا الباقي يتكون حسب تصنيف علماء الطبيعة من مجهولين هما “المادة السوداء” و “الطاقة السوداء”. ويعتقد علماء الطبيعة بوجودهما لكنهم لا يعلمون مما يتكونان وكيف يمكن لهما أن يتوافقا مع النظريات العلمية القائمة عن الكون.
فالمادة السوداء والتي سُميت بذلك ليس لكونها سوداء حقا أو لأنها تختفي خلف شيء آخر وإنما لأنها لا تحس بالقوة فلا يصدر عنها ضوء ولا تتفاعل مع المادة الطبيعية. وربما كان من الأدق تسميتها بـ “المادة غير المنظورة”.
ويضرب العلماء مثالا لتقريب فهم هذه المادة. فإذا حاولت أن تمرر كفك من خلال الطاولة الخشبية التي أمامك فإنك لن تقدر على ذلك مهما ضربت بقوة. أما لو كانت كفك من “المادة السوداء” لمرت من خلال الطاولة دون أي اعتراض. ذلك أن أي عنصر يتكون من ذرات لكن كل ذرة هي في واقع الحال فراغ كبير فيه شحنة من الإلكترونات حول نواة صغيرة. وهذا يعني أنه بسبب هذا الفراغ الكبير فليس من سبب يمنع الذرات المكونة للكف من أن تمر بسهولة من خلال الذرات المكونة للطاولة. فما الذي يمنع ذلك؟ إن الذي يمنع حدوث ذلك هو التنافر الشديد بين الإلكترونات في الكف والإلكترونات في الطاولة. فلو كانت الكف من “المادة السوداء” لمرت بسهولة من خلال الطاولة لعدم قيام ذلك التنافر.
واستنتج العلماء وجود “المادة السوداء” ملاحظتين. أولهما هي أنهم وجدوا أن في المجرة الواحدة كتلة أكبر من مجموع كتلة كل النجوم والكواكب والغبار والغاز في تلك المجرة، مما اقتضى وجود مادة أخرى لا تبعث ضوء. أما الثانية فهي الاختلاف في التحدب حولها. فقد رصد العلماء أن الضوء الذي يصل الى ناظور على الأرض يتحدب أثناء مروره في المجرات بدرجة أعلى مما تقتضيه كتلة تلك المجرة مما لا يمكن أن يُفسر إلا بوجود جاذبية أعلى أوجدتها تلك “المادة السوداء”.
واستنتج علماء الطبيعة أنه بدون “المادة السوداء” فإن المجرات ما كانت لتتكون أصلا، أي بمعنى أدق ما كانت السماء لتكون كما نعرفها اليوم. وهذا يعني أن المادة السوداء هي الأصل في الكون وأن المادة التي نعرفها والتي نحن منها ثانوية في وجودها.
وما زال علماء الطبيعة يحسون بالإحباط لعدم معرفتهم ماهية “المادة السوداء”. والاعتقاد السائد اليوم هو أن “المادة السوداء” تتكون من نوع أثقل من المادة التي نعرفها لكن العلم مازال يجهل جوهرها.
فهل إن “السماء ذات الحبك” تشرح هذا أو تقترب من رأي علماء الطبيعة؟
وللحديث صلة……
عبد الحق العاني
www.haqalani.com
22 كانون الثاني 2026