­لماذا الخَلقُ، وكيف؟ – الجزء التاسع

يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده أم الكتاب

سألني صاحبي وهو يحاورني حول ما كتبت آخر مرة في الحديث عن نسبية الزمن في القرآن وعلى الأخص عند تأويلي لقوله تعالى: “إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا، وَنَرَاهُ قَرِيبًا”، وكيف يتفق ذلك مع قولي السابق أنه تعالى خارج الزمان والمكان، بينما يبدو من هذه الآية أنه تعالى يتحدث عن بعد للزمن في رؤيته.

وكان من حق صاحبي أن يسأل وكان عليّ أن أوضح ما أمكنني ذلك. ولا بد أن أبدأ بالقول إن هذا الأمر ليس سهل الشرح وربما يكون صعب الفهم لكن لا بد من المحاولة.

وأعود هنا للتذكير بما كتبته عن الفرق بين الألوهية والربوبية، حيث أبديت رأيي في أن الربوبية هي ظاهره المشهود بينما تظل الألوهية باطنه الغيب المنيع عن المشاهدة والإدراك. فليس هناك ما يقضي أن مقام الربوبية لا يُشاهد الزمن في حركته دون أن يمس هذا بحقيقة امتناع الزمن عن الألوهية الباطنة. والقرآن فيه شواهد كثيرة على هذا الفرق. ولن استشهد بالآيات التي تنزه الألوهية عن الزمن والحركة لكني سآتي على مشاهدة الربوبية للزمن والحركة (الزمكان). وأرى أن خير ما يُستشهد به على هذا هو سورة (الرحمن) والتي تختصر البحث عن الشواهد.

يقول الرحمن الرحيم: “خَلَقَ الإِنسَانَ”. وخَلقُ الإنسان، كما سآتي عليه إن شاء الله عند الحديث عن وقوع الخلق، وصفه تعالى في أكثر من آية في القرآن منها قوله: “الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ” وقوله في تأنيبه لإبليس “قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ” وهذه وغيرها من الآيات تبين دون شك أن خلق الإنسان لم يكن (كن فيكون) بل إنه استغرق وقتا وكان (الرحمن) الخالق للإنسان شاهد ذلك الزمن والحدث.

ثم يقول عز من قائل في سورة الرحمن: “يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ”. فكيف يكون كل يوم في شان إذا لم يكن شاهدا ومشاركاً في الحدث. وهذا مقام الرحمن وليس مقام الألوهية الذي لا يحول ولا يزول ولا ينتقل من حال إلى حال.

ثم يُعقب تعالى على ذلك بقوله: “سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلانِ”. وكيف يفرغ للثقلين مستقبلا دون أن يكون ذلك الحدثُ مستغرقا للزمان والمكان.

ولا بد لنا هنا من الخوض في العلاقة بين الزمان والأجل في القرآن ضمن حديثنا عن مشاهدة الربوبية له. ذلك أن الحديث عن الزمن وحركته يرتبط بمفهوم رئيس في القرآن وهو القضاء والقدر وما كتب الله للإنسان. وهو، أي القضاء والقدر في القرآن، موضوع قد أكتب فيه بشكل أوسع لاحقا لكن ما يهمني هنا هو كيف يرتبط الزمن بذلك.

ذلك أنه تعالى قضى وشاء وقدّر. فقد قضى ألا يُعبد سواه: “وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا”. وشاء أن يُعبد غيره: “وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ”. وقدر الرزق والثواب والعقاب بالقسط: “إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ”. وقد تاه الفقهاء وما زالوا في الربط بين القضاء والقدر وعلاقتهما بالعقاب والثواب. فالذين قالوا إن أمر الله كله في قضاء لازم وقدر مُحتم وجدوا أنفسهم أمام الحاجة لجواب عجزوا عنه في تفسير العقاب والثواب إذ كيف يمكن للعدل أن يتحقق في عقاب الناس أو جزائهم بالإحسان إذا كان كل الأمر بموجب القضاء والقدر. أي لو كان الأمر كله من القضاء والقدر لبطل العقاب والثواب كما يقتضيه عدله تعالى. “هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ”. أما الذين قالوا إن كل الأمر في تفويض فقد أنكروا قضاء الله وقدره وأحالوا الخلق كله وما يحدث الى ما يشبه ما خرج به علماء الطبيعة من المصادفة أو الاصطفاء التلقائي.

وعندي أن الاثنين ما أصابوا فلا هو قضاء وقدر لازم في كل أمر ولا هو تفويض في كل أمر. بل هو أمر بين أمرين. أي إن في الخلق ما هو من القضاء والقدر كما إن في الخلق ما هو من التفويض. والفصل بين الاثنين هو من أصعب ما يواجه المتدبر للقرآن والباحث في الخلق.

ذلك أن الإنسان لا خيار له في بيت أو مكان ولادته فذلك قدر للنفس أن توجد. لكن الإنسان له خيار في ما تفعله نفسه: “قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا”. فإبليس لم يعص الله بأمر الله وإنما أختار العصيان حين قاس بين النار والماء فقال: “قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ”. ولو لم يكن ذلك اختيار إبليس لما كان عدله تعالى يقضي بعقوبته بالخلود في النار.  حتى ذهب قوم للقول إن إبليس لن يُعذب لأنه أطاع أمر الله في عصيانه حتى يفتن به الناس. بل ذهب قوم أبعد من ذلك فقالوا إن إبليس لن يُعذب لأنه يرد الى أصله في النار ومن يعود لأصله لا يُعذب كما هو حال الإنسان حين يعود للأرض: “مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى”.  

وهذه الحرية للإنسان في الاختيار هي التي تسمح بالمحو والإثبات. فما كُتب على الإنسان من ثواب وعقاب بسبب عمله: “أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ”، يتغير بمقتضى عمل الإنسان، لذلك أخبرنا تعالى: “مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ”. ثم أعلمنا العليم الحكيم: “إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ”. وزاد بكرمه وفضله فقال: “إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا”. وكل هذه شواهد على أن السيئة التي اُرتكبت والتي تترتب عليها عقوبة في عدله المطلق سوف تُمحى بحسنة أو حتى بدون حسنة.

وجمع تعالى ذلك في قوله عز من قائل: “يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ.” فأعلمنا أن المحو يقع، وهو لا بد أن يقع في ما كان قد كتب بقضاء أو نتيجة عمل كما انه يُثبت ما كان وما لم يكن. وكل هذا يحدث في عالم الزمكان ولا شك، والا ما كان هناك من معنى للمحو والإثبات. وشاهد إثباته ما لم يكن في قبوله دعاء موسى وهارون في قوله عز من قائل: “قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ.”

وقد سبق لي أن كتبت أن الله كان ولا شيء معه وأنه حين أراد أن يُعرف لم يكن هناك زمان أو مكان وهذا يعني أنه في باطنه ليس شيئا ولا مكانا ولا زمانا. فكل ما نعده نحن من زمان مضى أو زمان قائم أو قادم لا وجود له عنده تعالى. أي يمكن لنا القول بان الزمان والمكان (حيز الزمكان) المحسوس بالنسبة لنا لا وجود له عند الله كما لو أنه نقطة وهمية كما نفهمها!

وهذا يفسر لنا كيف يمكن لمقام الربوبية الظاهر في الرحمن أن يستغرق زمانا ومكانا في خلقه دون أن ينعكس هذا على مقام الألوهية. وهنا قد يتنبه المتدبر للخلق والقرآن لسؤال مهم يترتب على هذا الاستنتاج، ألا وهو: كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ فاذا كانت إرادته القديمة في أن يُعرف والتي قامت قبل إيجاد الزمكان واحدة وثابتة، وجب أن تكون هي وما نتج عنها دون انتقال أو زوال. وهذا لا يتفق مع قيام مقام الربوبية بالخلق والانتقال والمحو والإثبات، أي أن السؤال هو كيف يمكن التوفيق بين الحالين؟

وعندي أن ذلك يرجع إلى صفة الألوهية الخالية من بُعد الزمان، ذلك أن كون الرحمن كل يوم في شان وما يقع من محو لما هو مكتوب ومقدر للخلق حين أراد أن يُعرف لا يشكل تغييرا بالنسبة لمقام الألوهية لأن هذا المقام ليس فيه زمان. فكل تغيير في الخلق يأتي من مقام الربوبية يلغي ما كان قائما وكأنه لم يكن أبداً. أي بمعنى أدق ان كل تغيير في الخلق سيكون من إرادته أن يُعرف وكأن ما سبق من ذلك الخلق لم يكن قد وقع أصلاً. وهكذا تكون إرادته هي هي تبدو متغيرة ومنتقلة بالنسبة لنا بينما هي واحدة له لانعدام الزمن عنده فليس هناك شيء كان حتى يكون الجديد ما سيكون في إرادته! فالإرادة في كل مشهد لنا والتي تتغير هي إرادته القائمة دائما. وهكذا يمحو ويثبت لنا دون أن تتغير إرادته لأن الذي كان بالنسبة لنا قبل المحو والتغيير لا وجود له عنده.

وهكذا يمكن له تعالى أن يمحو ويغير القضاء والقدر ويبقى القضاء والقدر قائما لأننا لا نعرف ما كان قضاء وقدرا قبل المحو. فحتى “الأجل المسمى” في الكتاب عنده يُمحى ويُغير. “وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ”.

فسبحان من جعل رحمن السموات والأرض كل يوم هو في شأن وبقي هو خارج الزمكان.

وللحديث صلة…..

عبد الحق العاني

www.haqalani.com

21 كانون الأول 2025

اترك تعليقاً