لماذا الخَلقُ، وكيف؟ – الجزء السادس

الغيب والشهادة 

حين نظر فقهاء المسلمين في السماء ولم يفهموها سموها غيبا من نور. أما علماء الطبيعة فإنهم قبل أن يصلوا للرأي القائل اليوم إن السماء تتألف بما يقرب من 10% من المادة التي نعرفها و90% من “المادة السوداء” و “الطاقة السوداء”، فإنهم كانوا قديما يقولون بأن السماء تتألف بشكل رئيس من فراغ أسموه “الأثير”. 

لكن الأمر في القرآن يختلف عن الإثنين. حيث يُعلَمُنا خير معلم بأن الوجود يتكون مما وصفه بعالمي الغيب والشهادة حين نبهنا الى أنه هو “عالِمُ الغيب والشهادة” فقال عز من قائل: “وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ”. وهكذا فإن “الأول والآخر والظاهر والباطن” نقل هذه الحقيقة الى عقولنا بوصف القديم والمحدث بانهما ينحصران بين الغيب والشهادة. 

ولما كنت قد أسلفت بأنه تعالى كان ولا شيء معه وحين أراد أن يُعرف أحدث “كرسيه” دون حركة أو انتقال، فقد أصبح من المعقول القول بأن “الباطن” الذي أشار إليه في وصف ذاته (أو نفسه إذا شئت) هو “الغيب” الذي لا تدركه الأبصار، ولا يعرف ما هو إلا هو. وهذا هو عين ذاته. 

أما “الظاهر” في وصف ذاته فهو “عالَمُ الشهادة”.  لكن عالم الشهادة هذا ليس سوى “كرسيه” الذي ظهر فيه بصفاته، والذي أظهر فيه الخلق من العدم الى الوجود فكان وجودا ممكنا غير موجب حيث إن عالم الشهادة لو لم يكن أو لو زال غدا لبقي الغيب كما هو قبل الخلق وبعده. 

وقد أنكر القرآن أن تكون السماء غيباً كما اعتقد الفقهاء أو فراغا كما قال بذلك علماء الطبيعة لزمن، حيث وصفها تعالى بأنها محبوكة فقال عز من قائل: “وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ”، ولا يحبك الفراغ ولا الغيب. ثم ألزمها تعالى صفة أخرى فقال سبحانه: “وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ”، فلا الغيب ولا الفراغ سيرجع شيئاً. 


2 / 4

وحيث إن المُحْدثَ مدرك لأن الخلق خرج عنه وإن القديم غير مدرك لاستغنائه عن المحدث، فقد جعل تعالى بين ظاهره الذي تجلت فيه صفاته وبين باطنه الذي هو عين ذاته حجابا. وليس هذا الحجاب فاصلا بين ظاهره وباطنه فهو واحد في ظهوره وبطونه. لكن هذا الحجاب وقع علينا لامتناع الخلق عن مشاهدة غيب الخالق في باطنه.  

كنت يوما في حديث مع أحد أصحابي حول التصوف وشيوخ الصوفية وجاء في حديثي نقل خبر مشهور قال به عدد من شيوخهم لا يختلف كثيرا عن حديث رواه عدد من رواة الحديث النبوي باختلاف في النص مفاده قولهم: (إن لله سبعين حجاباً من نور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل من أدركه بصره). فرد صاحبي بأن هذا من أحاديث الخرافة. وبرغم أني لا أؤمن بكل ما جاءت به الصوفية لكني أعرف عن يقين أن الصوفية شاركت في تحفيز الفكر الإسلامي وأغنته بالكثير. فما كان مني إلا أن أسال صاحبي عما إذا كان يعرف ما وصل إليه علماء الطبيعة حول وجود “الأشعة الكونية” وفاعليتها. فرد بالإيجاب وبانه يعتقد بصدق علماء الطبيعة حولها ورصدهم لها. فبّينت لصاحبي انه لم يكن منصفا حين رضي بشرح علماء الطبيعة ورفض قول الصوفية، والذي نسبه رواة الحديث لنبينا الأكرم (ص). فكل الذي اكتشفه علماء الطبيعة مطابق لقول الصوفية الذي سبقهم بألف عام من أن هناك أشعة ذات طاقة عالية على شكل موجات عالية الذبذبة تفوق تلك التي نعرفها في الأشعة السينية وأشعة “غاما”، على سبيل المثال، لا تصل إلينا بسبب غلاف يحمينا منها، ولو وصلت لأفنت كل حياة. والفرق بين ما قاله الصوفية قبل ألف عام وما يقوله علماء الطبيعة هو في مصدر تلك الأشعة فالصوفية قالوا بأنها من عند الله بينما يعتقد علماء الطبيعة أنها نتيجة “الانفجار الكبير” والذي لا يعرفون مصدره ولا مسببه! 

ويحدثنا العليم العلام في الكتاب عن سؤال موسى أن يرى باطنه: “وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ” حين قال: “رب أرني أنظر إليك”. فرد عليه مولاه قائلا: “لن تراني ولكن انظر الى الجبل. ولا شك أن جسد موسى دك كذلك حيث إنه حين عاد للحياة أقر بالعجز والافتقار قائلا: “سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين”. فلا بد أن ما كشف لموسى أمر لم يكن بالإمكان كشفه لغيره وهو أكبر مما وصفه في قوله للجبل إذا ما انزل عليه القرآن: 


3 / 4

“لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”. ونقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب قوله: (وما كشف لموسى إلا شقص من شقص من ذر المثقال) وهو عندي ليس محاولة لتشبيه ما كشف بمقياس كمية وإنما هو من باب تصوير صغره لتقريبه من العقل في أن ما كشف لموسى من باطن غيب الله لا يقاس لصغره، فكيف بحقيقته! 

ولا بد من وقفة هنا في استعمال كلمة “سبعين” عند الحديث عن عدد الحجب في قول الصوفية فهي لا تعني عددا ثابتا كما يوحي النص بل في التعبير عن عدد كبير كما تعودت العرب على استعمال الأرقام الكبيرة لهذا الهدف. وهم في هذا لم يختلفوا عن استعماله تعالى لكلمة سبعين في قوله عز من قائل: “إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يعفر الله لهم”، فلم يرد تعالى أن يحصر عدد الاستغفار بسبعين فقط. وكذلك الحال في قوله تعالى: “ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ”.  

وليس بين عالم الغيب وعالم الشهادة حد ثابت فهو تعالى كما قال: “يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ”. وهو في شأن جديد من حيث الإنسان وليس من حيث نفسه لأنه تعالى لا يقع عليه عرض ولا انتقال. وهذا الشأن الجديد يختلف بين إنسان وآخر فما هو من عالم الشهادة لواحد قد يكون من عالم الغيب لشخص آخر لأن الإدراك هو على قدر الاستعداد للتلقي سواء أكان ذلك في المحسوس أم في غير المحسوس. فكما هو حال عالم الطبيعة الذي ينظر في تركيب الذرة حتى يصل للقول بأنها تتكون من جزيئات تصغر حتى تكاد لا تعرف أو تقاس أو تدرك عند اتصال علم الطبيعة بما وراء الطبيعة كما هو الحال في نظرية “التشابك” الحديثة، كذلك حال المتفكر في خلق السموات والأرض فيرى مظاهر الصفات الإلهية في عالم الشهادة من ظهور الصفات ثم يرتقي فيها طلبا لمشاهدة مظاهر الذات الإلهية فيمتد عالم الشهادة له لحدود تختلف عن حدوده لمتفكر وآخر.  

وهكذا فإن المؤمن بالله إذا تقرب بالإيمان والعمل الصالح فإنه سوف يبصر تجليات صفات الله في عالم الشهادة من أرض وسماء “سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ” وذلك على قدر استحقاقه واستعداده للمشاهدة. ثم يرتقي في تلك المشاهدة حتى يصل حدود عالم الغيب في مشاهدة تجليات ذات الله في عالم الغيب كما قال تعالى في حق نبينا الأكرم (ص) “وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَى”. وهذه الرؤية هي ليست، كما قال عدد من الشراح، رؤية جبريل في صورة لم يعرفها 


4 / 4

نبينا الأكرم والذي قال حين سئل: (كنت نبيا وآدم بين الماء والطين، كنت نبيا لا آدم ولا ماء ولا طين)، فهو أعلى مقاما عند باريه من جبريل، ويكفي ذلك قول الأخير في المعراج: (لو دنوت قيد أنملة لاحترقت). لكن نبينا الأكرم (ص) لم يحترق، ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى!  

وهذا لا يختلف عن مشاهدة عالم الطبيعة الذي نظر في الطبيعة فأدرك أعماقها ثم وصل للحد الذي تنعدم فيه مظاهر المادة وإن كان حسه بوجود ما بعدها قائما في مقدار ما يوقعه ذلك اللامحسوس في المادي المحسوس الذي يشاهده كما هو الحال في تأثير ما أسماه “المادة السوداء” والتي اعتقد بوجودها لتأثيرها في المادة التي يعرفها. 

وللحديث صلة…..

عبد الحق العاني

دكتوراه في الهندسة الإلكترونية

دكتوراه في القانون الدولي

ماجستير آداب في الفلسفة

www.haqalani.com 

30 أيلول 2025

اترك تعليقاً